In this article
مصر مقبرة الغزاة (الجزء الاول)
نبذة مختصرة
طرد الهكسوس: فجر التحرير وبداية العقيدة العسكرية المصرية
تُمثّل حرب التحرير ضد الهكسوس المنعطف الأبرز في التاريخ المصري القديم، واللبنة الأولى التي تشكّلت على أساسها العقيدة العسكرية المصرية النظامية. ففي أواخر عصر الدولة الوسطى، وتحديداً خلال عصر الانتقال الثاني، تعرضت مصر لانتكاسة سياسية كبرى سمحت لقبائل الآسيويين، المعروفين تاريخياً باسم "الهكسوس"، باختراق الحدود الشمالية الشرقية واحتلال أجزاء واسعة من البلاد وتأسيس عاصمتهم "أواريس" في الدلتا. ولم يكن هذا الاحتلال مجرد سيطرة سياسية، بل كان تحدياً وجودياً للهوية والحضارة المصرية.
شرارة المقاومة من طيبة
ظن الغزاة أن خنوع الشمال سيضمن لهم بقاءً أبدياً، إلا أن جمرة المقاومة ظلت متقدة في الصعيد. بدأت حرب التحرير الرسمية من طيبة (الأقصر حالياً) بقيادة أميرها الشجاع سقنن رع تاعا الثاني، الذي جهر برفضه لإهانات ملك الهكسوس، وخرج على رأس رجاله إلى ساحة المعركة مدافعاً عن كرامة وطنه حتى سقط شهيداً مستبسلاً، وحملت مومياؤه حتى اليوم آثار ضربات الفؤوس والسيوف التي تلقاها في جبهته.
لم يثنِ استشهاد القائد عزيمة المصريين؛ بل تسلم الراية من بعده ابنه الأكبر كامس، الذي خاض معارك استنزاف ضارية ضد الهكسوس، ونجح في تضييق الخناق عليهم، وقطع خطوط إمدادهم، ومطاردة الموالين لهم، تاركاً إرثاً حماسياً وثّقته لوحاته الشهيرة قبل أن يموت هو الآخر في مشوار الكفاح.
أحمس الأول والتطوير العسكري الشامل
جاء البطل الشاب أحمس الأول ليتولى قيادة حركة المقاومة في ظرف بالغ التعقيد. أدرك أحمس بحسه العسكري العبقري أن الانتصار على العدو يتطلب تفوقاً تكنولوجياً وتكتيكياً. ولأول مرة في تاريخ مصر، جرى تحديث الجيش بشكل شامل عبر إدخال سلاح العجلات الحربية وتطويرها لتصبح أخف وزناً وأسرع حركة من عجلات الهكسوس الثقيلة، مع تدريب المظليين والمشاة على مهارات الكر والفر والقوس المركب القصير.
انطلق أحمس بجيشه المنظم الذي تحول من مجرد ميليشيات محلية لحماية الأقاليم إلى جيش وطني نظامي موحد تحركه عقيدة الدفاع عن الأرض والعرض. حاصر أحمس عاصمة الهكسوس "أواريس" براً وبحراً عبر سفنه الحربية في النيل، وضيق عليهم الخناق حتى انكسرت شوكتهم وفروا هاربين نحو الشام. ولم يكتفِ أحمس بطردهم خارج الحدود، بل تتبع فلولهم وحاصرهم في حصنهم الحصين "شاروهين" بفلسطين لثلاث سنوات حتى أباد قوتهم تماماً، وتأكد من زوال خطرهم عن حدود مصر الشرقية إلى الأبد.
تأسيس العسكرية المصرية والإمبراطورية
لم تكن حرب طرد الهكسوس مجرد انتصار عسكري عابر، بل كانت فجر التحرير وبداية العصر الذهبي للعسكرية المصرية. تعلّم المصريون من هذا الدرس القاسي أن الأمن القومي لا يتحقق بالانكفاء داخل الحدود، بل بامتلاك جيش قوي قادر على المبادأة وردع التهديدات في مهدها خارج حدود الوطن.
بفضل هذا التحول الفكري والعسكري، تأسست الأسرة الثامنة عشرة وعصر الدولة الحديثة، حيث تحولت مصر إلى القوة العظمى الأولى في العالم القديم، وبُنيت الإمبراطورية المصرية الممتدة من أعالي النيل إلى الفرات، مرتكزة على عقيدة عسكرية صلبة وجيش نظامي محترف يحمي السلام بقوة السلاح.
Keep up with صلاح شعيشع
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment