In this article
الرجوع للبيت متأخرًا

عاد يوسف إلى منزله في الثانية عشرة ليلا بعد يوم عمل طويل في فرع البنك الذي يعمل به في وسط البلد. كانت الشقة صامتة، والأضواء كلها مطفأة عدا ضوء مصباح الممر الصغير الذي تركه مفتوحا. وضع هاتفه على الدولاب، ووضع رأسه على الوسادة، وأغلق عينيه.
أول مكالمة

أيقظه رنين الهاتف. نظر إلى ساعة الحائط فوجدها تشير إلى 3:17. رفع الهاتف ونظر إلى السطر الذي يظهر عليه اسم المتصل، وتجمد في مكانه. الاسم المكتوب: يوسف. رقم شريحته هو نفسه. رفض المكالمة وقلب الهاتف على ظهره وقال لنفسه بمرح إن أحدا ما يمزح بمهارة غريبة. وفي الليلة التالية، في التوقيت نفسه، نفس الرنين ونفس الرقم. وفي الليلة الثالثة رد ليعرف من صاحب هذه المزحة. أول ما رفع، سمع صوتا واضحا، صوته هو، لكنه خشن ومرهق، يقول جملة واحدة: «متفتحش الباب بكرة الساعة عشرة.» ثم انقطعت المكالمة وحدها. بقي واقفا في وسط الغرفة المظلمة وعيناه على الهاتف المقلوب، وقدماه متجمدتان على الأرض الباردة.
الرجل الذي تحت البيت

في اليوم التالي، في الساعة العاشرة ليلا، دقوا الباب فعلا. وقف يوسف خلف الباب وعينه على العين الصغيرة في منتصفه. الشخص الذي كان واقفا في الأسفل يشبه صديقه القديم طارق، الذي سافر إلى سويسرا منذ سنتين ولم يراسله منذ ذلك الوقت. قال طارق بصوت منخفض إنه عاد لزيارة مصر قصيرة وأراد أن يقضي معه بعض الوقت. رد يوسف من خلف الباب: «اصبح بكرة يا طارق، تعالى بكرة.» وأغلق. وبعد يومين رد صديقهما المشترك على رسالة يوسف بجملة واحدة: «طارق ما زال في سويسرا، وأرسل لي صورة أمس من عنده.» عاد يوسف إلى ألبوم صور هاتفه وتذكر شكل الطارق تحت البيت، والظل الذي كان واقفا خلف كتفه.
الرقم الذي لا وجود له

لم يكن يوسف ممن يتركون شيئا غريبا بدون تفسير. في اليوم التالي ذهب إلى فرع شركة المحمول وسأل عن سجل المكالمات الخاص به. قلب الموظف في الشاشة مرتين ثم قال بصدق إنه لا توجد أي مكالمة مسجلة على رقمه في هذا التوقيت ولا في أي توقيت آخر. عاد يوسف إلى صديقه المهندس الذي يعمل في شركة اتصالات، فقال له إن هناك شيئا اسمه تزوير رقم المتصل، برامج تستطيع أن تضع أي رقم يريده صاحبها أمام اسمك لحظة وصول المكالمة، وأن هذه الطريقة تستخدم كثيرا في عمليات النصب. لكن صديقه أكمل بجملة حولت الخوف إلى شكل آخر: «دي بتستخدم في النصب عشان تجيب فلوس. هي بتحاول تجيب منك إيه؟» فأجاب يوسف: «هي مش بتجيب، هي بتقول.» وكان هذا أكثر ما يخيفه: الجملة الأولى طلعت صح.
آخر ليلة

قرر يوسف أن يرد في الليلة التالية وأن يسجل المكالمة. وفي الساعة 3:17 بالضبط جاء الرنين. رفع. جاء الصوت من أول ثانية دون سلام: «أخيرًا رديت. اسمع الكلام اللي هقوله من الأول للآخر وهتفهم ليه أنا ببعتلك. بكرة في الشغل هتيجيك ورقة الراتب للتوقيع. متوقعش. اقراها سطر سطر قبل ما توقع، وخد صورة منها قبل ما ترجعها.» سأل يوسف بصوت مبحوح: «انت مين؟» فأجاب الصوت في جملة واحدة قبل أن تنقطع المكالمة: «أنا اللي كنت أقدر أسألك السؤال ده.»
الذي يريدك أن تسمع

في اليوم التالي جاءت ورقة الراتب، فقرأها يوسف سطرا سطرا وأخذ منها صورة، فوجد خصما مسجلا عليه رقما غريبا عن المعتاد، وأعادها إلى قسم الموارد البشرية، وانكشف أمر محاسب في الفرع كان يعدل رواتب الناس. من ذلك اليوم لم تأت المكالمة مرة أخرى في الساعة 3:17. انتظر يوسف ليلة بعد ليلة. وفي ليلة الخميس عاد الرنين، لكن هذه المرة لم يكن الرقم رقمه، بل رقما أطول ومشوشا غير مسجل في أي مكان. رفع يوسف الهاتف وقال: «مش هبرد تاني على أرقام مش بفهمها.» ولم يخاطبه الصوت الذي في الطرف الآخر. لأن الأرقام المجهولة لا تنتظر أحدا يرد عليها. ولأنه عندما يصبح الرقم المجهول هو رقمك، لن يكون السؤال: من الذي يتصل. سيكون السؤال: من الذي يريدك أن تسمع.
Keep up with محمد صبحي
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment