في هذا المقال
اللي كان عايش معانا
من ساعة ما أبويا مات، وأنا مش بحب أقعد في المزرعة لوحدي.
مش عشان المكان كبير، ولا عشان بعيد عن القرية. أنا اتربيت هنا، وعارف كل حجر في الأرض دي.
لكن فيه حاجة اتغيرت بعد موته.
أمي بقت تصحى كل ليلة الساعة تلاتة، وتفضل واقفة قدام باب المخزن، كأنها مستنية حد يخرج منه.
والغريب إنها كانت دايمًا بتقفل المخزن بالمفتاح، رغم إنه مفيهوش غير أدوات قديمة.
ولما سألتها مرة:
«إنتِ بتعملي إيه هنا؟»
بصت لي وقالت:
«كنت بسمع أبوك.»
ضحكت وقتها.
لكنها ما ضحكتش.
من يوم وفاة أبويا، أمي بقت تتجنب الصور القديمة. كل ما أفتح ألبوم العيلة، تاخده مني وتقفله.
وكان فيه صورة واحدة دايمًا مخبياها في درج مكتب أبويا.
صورة ليا وأنا صغير، واقف قدام البيت.
كنت فاكر إن الصورة عادية.
لحد ما لاحظت إن أمي كانت دايمًا بتغطي الجزء اللي ورايا بإيدها.

في ليلة شتوية، صحيت على صوت خطوات فوق سقف أوضتي.
خطوات بطيئة.
حد بيمشي من أول الطرقة لآخرها.
طلعت من السرير وفتحت الباب.
الصوت وقف.
ناديت:
«يا أمي؟»
مفيش رد.
طلعت السلم وأنا ماسك كشاف صغير.
الدور العلوي كان مقفول من يوم وفاة أبويا. المفتاح كان مع أمي، والباب عليه طبقة تراب سميكة.
لكن اللي شفته خلاني أنسى أنا طالع ليه.
آثار أقدام حافية.
في التراب.
جاية من آخر الطرقة...
ومتجهة ناحية الباب المقفول.
الغريب إن الآثار كانت شبه مقاسي بالظبط.
مديت إيدي للمقبض.
الباب كان مفتوح.
دخلت.
الأوضة فاضية، إلا من كرسي قديم جنب الشباك.
وعلى الكرسي، كانت فيه صورة عائلية.
أنا وأمي وأبويا.
لكن الصورة كانت متعدلة.
فيها شخص رابع واقف ورا أبويا.
راجل طويل، وشه مش واضح.
وتحت الصورة مكتوب بخط أبويا:
«ما تخلوش حد يخرج.»

الصبح، واجهت أمي بالصورة.
أول ما شافتها، بدأت تعيط.
«إنتِ تعرفي مين ده؟»
هزت راسها.
«أبوك كان بيقول إنه عايش معانا من زمان.»
«مين؟»
«مش عارفة.»
«طب ليه الصورة دي؟»
أمي بصت لي.
«لأننا عمرنا ما كنا لوحدنا.»
سألتها عن الصورة القديمة اللي كانت مخبياها في درج أبويا.
وشها اتغير.
«سيب الصور دي يا محمود.»
«ليه؟»
«عشان مش كل اللي فيها بيكون موجود وقت ما بتتصور.»
في الليلة دي، قررت أمشي من المزرعة.
حطيت هدومي في شنطة، وخرجت ناحية البوابة.
لكن لقيت آثار أقدام في الطين.
آثار جاية من الطريق.
داخلة المزرعة.
مفيش آثار خارجة.
وقفت مكاني.
سمعت صوت أمي من ورايا:
«محمود...»
لفيت.
كانت واقفة عند باب البيت.
«تعالى يا ابني.»
«أنا همشي.»
ابتسمت ابتسامة غريبة.
«مش هتعرف.»
رجعت البيت، وبدأت أفتش في أوراق أبويا.
في درج مكتبه، لقيت دفتر قديم.
كان مليان كلام عن أصوات في المخزن، وخطوات فوق الدور العلوي، وشخص بيظهر في الصور من غير ما يكون موجود وقت التصوير.
في صفحة قديمة، لقيت كلام عن يوم كنت صغير:
«محمود بقى يسألني ليه مفيش صور ليه وهو صغير.
مش قادر أقوله الحقيقة.
فاطمة بتقول إنه نسي.
لكن أنا مش قادر أنسى الساعة اللي وقفت فيها حياته.»
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلبت الصفحة.
«من يوم الحادث، الساعة بتقف كل ليلة عند تلاتة وسبعتاشر.
ومن يومها، فيه حد بيظهر في الصور.
كل مرة أقرب.
كل مرة شبه محمود أكتر.»
حسيت إني مش قادر أتنفس.
أنا فاكر طفولتي.
فاكر إني كنت بلعب في المزرعة.
فاكر أبويا.
فاكر كل حاجة.
إزاي بيقول إني نسيت؟
في آخر صفحة، مكتوب:
«أنا عارف إنه موجود.
سمعت صوته في المخزن.
وشفت آثاره في الطين.
لكن كل مرة أفتح الباب، ألاقي المكان فاضي.
فاطمة بتقول إني بتخيل.
بس امبارح، صحيت ولقيته نايم جنبي.
ولما بصيت ناحية فاطمة...
كانت بتبص له وبتضحك.»
وتحت الكلام، جملة بخط مختلف:
«هو مش بيظهر غير لما الساعة تقف. ولو ظهر في الصورة، يبقى خلاص عرف مكانه.»
سمعت صوت أمي من المطبخ:
«محمود؟»
ما رديتش.
«محمود، تعالى.»
وبعدين سمعت صوت تاني.
صوت أبويا.
«ما تروحش لها.»
اتجمدت.
وقعت الورقة من إيدي.
الصوت كان جاي من المخزن.
قربت من الباب.
سمعت أمي بتقول:
«خلاص... هو عرف.»
وبعدها صوت خطوات.
خطوات طالعة السلم.
رجعت ناحية المكتب، وأنا بحاول أفهم اللي بيحصل.
الساعة اللي في الصالة كانت واقفة عند تلاتة وسبعتاشر دقيقة.
نفس الوقت اللي أبويا مات فيه.
وفجأة، دقت الساعة.
دقة واحدة.
مع إنها كانت واقفة.
سمعت صوت أمي من ورايا:
«إنت بتقرأ إيه؟»
قفلت الدفتر بسرعة.
كانت واقفة عند باب المكتب، وشها شاحب وعينيها مليانة خوف.
سألتها:
«مين الشخص اللي في الصورة يا أمي؟»
بصت ناحية السلم.
«ده مش شخص.»
«أمال إيه؟»
قربت مني وهمست:
«ده المكان اللي بيفضل فاضي في العيلة.»
قبل ما أقدر أسألها، سمعت صوت أبويا من المخزن:
«محمود... تعالى.»
أمي مسكت إيدي بقوة.
«متردش عليه. مهما قالك، متردش.»
لكن الصوت رجع:
«محمود، أنا أبوك. افتح الباب.»
جريت ناحية المخزن.
أمي صرخت باسمي، لكني كنت وصلت للمقبض.
فتحته.
المخزن كان فاضي.
لا أدوات، ولا صناديق، ولا أي حاجة.
بس في آخره، كان فيه باب صغير عمرنا ما لاحظناه قبل كده.
فتحته.
لقيت أوضة ضيقة، وعلى الحيطة صور عائلتنا كلها.
صور قديمة جدًا.
في كل صورة، كان فيه شخص رابع واقف في الخلفية.
وفي كل صورة، كان وشه أقرب للكاميرا.
في أول صورة، كان بعيد.
في التانية، واقف جنب أبويا.
في التالتة، ورا أمي.
وفي آخر صورة...
كان واقف بيننا.
وشه واضح.
كان وشي أنا.
سمعت أمي بتقول من ورايا:
«أبوك حاول يطلعه من البيت... لكنه كان لازم يسيب حد مكانه.»
لفيت ناحيتها.
«يعني إيه؟»
دموعها نزلت.
«أبوك مات وهو بيحاول يمنعه ياخدك.»
بصيت للصورة تاني.
«أنا موجود أهو.»
أمي قربت مني، ومدت إيدها ناحية وشي.
لكن إيدها عدّت من خلالي.
رجعت لورا وأنا مش قادر أتكلم.
قالت وهي بتعيط:
«محمود... إنت مش فاكر اللي حصل؟»
بدأت الصور ترجع في دماغي.
الليل.
المطر.
المخزن.
صوت أبويا وهو بينادي عليّ.
وبعدين...
الساعة.
تلاتة وسبعتاشر دقيقة.
أنا كنت صغير.
كنت بجري في المزرعة، ووقعت في البئر القديم.
أبويا نزل ورايا.
أمي كانت بتصرخ.
وأبويا ما رجعش.
لكن أنا...
أنا كمان ما رجعتش.
بصيت لأمي.
«يعني أنا...؟»
ما قدرتش تكمل.
سمعت صوت أبويا من آخر الأوضة:
«أنا حاولت أحميك.»
ظهر في الظلام.
نفس هدومه اللي مات بيها.
نفس وشه.
لكن عينيه كانت فاضية.
قال لي:
«إنت فضلت هنا يا محمود.»
رجعت لورا.
«إنت مش أبويا.»
ابتسم.
«أنا كنت أبوك.»
الساعة دقت مرة تانية.
تلاتة وسبعتاشر.
النور انطفى.
سمعت أمي بتصرخ.
وبعدها...
مفيش حاجة.
مع طلوع الشمس، وصلت الشرطة للمزرعة بعد بلاغ من الجيران عن اختفاء محمود وأمه.
البيت كان مفتوح.
الأكل على الترابيزة.
والساعة واقفة عند تلاتة وسبعتاشر دقيقة.
في المخزن، لقوا دفتر أبويا.
وفي آخر صفحة، جملة مكتوبة بخط محمود:
«دلوقتي فهمت ليه أبويا كان بيقفل الدور العلوي.
هو ما كانش بيحبس الشخص الرابع.
كان بيحبسني أنا.»
أما محمود وأمه، فلم يُعثر عليهما.
بعد أسبوع، ظهرت صورة جديدة في البيت.
صورة للمزرعة.
واقف قدامها محمود.
ورا محمود، أمه.
ورا أمه، أبوها.
وفي الشباك العلوي...
كان فيه شخص رابع.
بيبتسم.
الغريب إن الصورة كانت متصورة من جوه البيت.
مع إن البيت كان فاضي وقتها.
وفي خلفية الصورة، ظهرت الساعة.
تلاتة وسبعتاشر دقيقة.
النهاية.
تابع جديد M.S
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق