الفصل الثاني: أول خطوة

الفصل الثاني: أول خطوة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about الفصل الثاني: أول خطوة

 

الفصل الثاني: أول خطوة
 

لم ينم Noah إلا لساعات قليلة.
كلما أغمض عينيه، ظهر السور أمامه من جديد؛ طويلًا، صامتًا، وكأنه ينتظر شيئًا لا يعرفه أحد.


وقبل أن تشرق الشمس، فتح عينيه على صوت أول عصفور يقف فوق نافذته.
ظل مستلقيًا للحظات ينظر إلى سقف غرفته الخشبي، ثم جلس ببطء.
وقعت عيناه على مكتبه الصغير.
كان دفتر اليوميات ما يزال تحت الوسادة، بينما جلس Pop في مكانه المعتاد فوق المكتب، بعينه الواحدة وابتسامته القماشية البسيطة.
ابتسم Noah ابتسامة خفيفة، ثم ارتدى ملابسه بهدوء حتى لا يوقظ والديه.
فتح باب الغرفة ببطء شديد، ونزل درجات المنزل الخشبية خطوةً خطوة.
كان المنزل غارقًا في السكون.


خرج إلى الحديقة، وأغلق الباب خلفه برفق.
كان هواء الصباح باردًا، والندى يغطي الأعشاب، بينما بدأت أشعة الشمس الأولى ترسم خطوطًا ذهبية فوق أسطح المنازل.
تنفس بعمق.
ثم بدأ يمشي.


لم يكن يعرف ماذا سيفعل عندما يصل إلى السور...
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط.
أنه لن يكتفي بالنظر إليه من بعيد مرة أخرى.
لم يكد يبتعد عدة شوارع حتى سمع صوتًا يعرفه جيدًا.
"نوح!"


التفت بسرعة.
كان يوكي يركض نحوه وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه.
توقف أمامه واضعًا يديه على ركبتيه.
"كنت... عارف... إنك هتخرج بدري."
ضحك Noah.
"إنت بتجري من البيت لحد هنا؟"
رفع يوكي رأسه وقال وهو يلهث:
"أيوه... لأني كنت متأكد إنك رايح للسور."
ساد الصمت للحظة.
لم ينكر Noah.
فاكتفى يوكي بالتنهد.
"أنا قلت لنفسي... لو هتعمل حاجة مجنونة... مش هسيبك تعملها لوحدك."
ابتسم Noah.
"شكرًا."
رد يوكي بسرعة:
"متشكرنيش... أنا لسه ممكن أرجع."
لكنّه لم يرجع.


وسار بجواره.
كلما اقتربا من أطراف المدينة، بدأت البيوت تقل، وحلّت مكانها الحقول الواسعة.
كانت السنابل تتحرك مع الرياح كأنها أمواج بحر ذهبي.
وفي النهاية...
ظهر السور.
من هذه المسافة، بدا أضخم بكثير مما كان يراه Noah من فوق التل.
كانت الحجارة أكبر من أن يصدق أنها نُقلت بيد البشر.
اقتربا أكثر، حتى أصبحا على بعد عشرات الأمتار فقط.
شعر يوكي بقشعريرة تسري في جسده.
"خلينا نمشي."


لكن Noah لم يتحرك.
كان ينظر إلى تفاصيل السور للمرة الأولى.
آثار الزمن تغطيه.
شقوق صغيرة.
نباتات برية خرجت بين الحجارة.
وعلامات غريبة بدت وكأنها نقوش قديمة، لكنها كانت ممحوة لدرجة يستحيل معها قراءتها.
مد Noah يده قليلًا، كأنه يحاول أن يرى النقوش بشكل أوضح.
وفجأة...
"قف مكانك!"


ارتفع صوت حاد جعل الاثنين يقفزان في أماكنهما.
اقترب أحد الحراس بخطوات سريعة.
كان طويل القامة، يرتدي درعًا فضيًا، وعلى كتفه عباءة خضراء تحمل شعار مدينة أورين.
نظر إليهما بصرامة.
"ممنوع الاقتراب من السور."
قال Noah باحترام:
"كنا بس بنتفرج."
أجاب الحارس بنبرة أقل حدة:
"اتفرجوا من بعيد."
تردد Noah للحظة، ثم سأل:
"هو... ليه؟"
نظر الحارس إليه طويلًا.
بدت على وجهه ملامح شخص يعرف الإجابة...
لكنه لا يستطيع قولها.
ثم قال بهدوء:
"بعض الأسئلة... الأفضل تفضل من غير إجابة."
كانت نفس الجملة التي سمعها من والده.
ونفس الجملة التي يقولها كل الكبار.
انصرف الحارس، لكنه ظل يراقبهما بعينيه.
نظر Noah إلى يوكي.
"شايف؟"
همس يوكي:
"شايف إيه؟"
قال Noah وهو ينظر إلى السور:
"كلهم بيقولوا نفس الكلام."
لم يرد يوكي.
لأنه بدأ يشعر أن الأمر أغرب مما كان يظن.
عادا إلى المدينة قبل الظهيرة.


ظل Noah صامتًا طوال الطريق.
كان يشعر أن السور لم يعطه إجابة...
لكنه أعطاه سؤالًا أكبر.
لماذا يخفي الجميع الحقيقة بالطريقة نفسها؟
في المساء، وبعد أن انتهى من مساعدة والده في الحقل، عاد إلى غرفته.
أغلق الباب.


وأخرج دفتره الجلدي من تحت الوسادة.
جلس إلى مكتبه، وفتح صفحة جديدة.
ظل ينظر إليها للحظات.
ثم كتب بخط هادئ:
"إذا تشابهت إجابات الجميع... فقد يكون أحدهم يخفي الحقيقة، أو ربما يخاف منها."
أغلق الدفتر برفق.
ثم نظر من نافذته نحو السور البعيد.


وللمرة الأولى...
لم يعد يشعر أن الفضول وحده هو الذي يدفعه نحوه.
بل شعورٌ غريب...
بأن رحلته قد بدأت بالفعل، حتى قبل أن يعبر أي باب.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Lumora World تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-