آخر بصمة دامية
كل بصمة وراها سر... وكل سر وراه قاتل.الساعة
كانت داخلة على اتنين ونص بعد نص الليل، والدنيا برة هادية بشكل يخوف. شوارع القاهرة كانت شبه فاضية، والمطر الخفيف بينزل على الأسفلت، يلمع نور أعمدة الشارع كأنه مراية كبيرة. المقدم آدم كان لسه راجع بيته بعد يوم شغل طويل، أول ما خلع الجاكيت ورمى المفاتيح على الترابيزة، تليفونه رن. بص للشاشة واتنهد. “العمليات.”
رد بسرعة: "أيوة يا فندم." جاله صوت أمين الشرطة وهو متوتر: "يا باشا، في بلاغ قتل في عمارة النخيل بالتجمع الخامس. الجيران سمعوا صوت حاجة وقعت، ولما حاولوا يفتحوا الشقة محدش رد. كسروا الباب لقوا صاحب الشقة مقتول." لبس هدومه في أقل من دقيقة ونزل جري.
بعد حوالي عشرين دقيقة
، كانت عربيات الشرطة والإسعاف مالية المكان. العمارة كلها واقفة في البلكونات، والوشوش مليانة خوف وفضول
. طلع آدم للدور السادس. أول ما دخل الشقة حس بحاجة غريبة... مفيش بعثرة، مفيش خناق، مفيش حتى كرسي واقع. كل حاجة في مكانها. الضحية كان راجل في أوائل الخمسينات، لابس بدلة شيك، واقع على ضهره في الصالون، وفيه طعنة واحدة بس في صدره. طعنة دقيقة، كأن اللي عملها كان عارف هو بيعمل إيه
. قرب الطبيب الشرعي وقال: "الوفاة حصلت من حوالي ساعة ونص تقريبًا." آدم لف حوالين المكان وهو بيبص لكل تفصيلة. على الترابيزة كان فيه فنجانين قهوة، واحد فاضي، والتاني لسه فيه نصه. يعني الضحية كان قاعد مع حد قبل ما يموت. لكن فين الشخص ده؟ وإزاي خرج؟
الشقة كلها متقفلة من جوه، والشبابيك مقفولة، وحتى البلكونة مفيهاش أي أثر. دخل خبير الأدلة الجنائية وقال: "يا باشا... عندي حاجة غريبة
." آدم سأله: "خير؟"
رد: “لقينا بصمة واحدة بس.”
قال آدم: "ممتاز... ابعتوها على طول للمطابقة."
الخبير سكت ثانيتين قبل ما يقول: "البصمة دي... مش موجودة في أي قاعدة بيانات.
" رفع آدم حاجبه باستغراب وقال: "يعني أول مرة الشخص ده يتسجل؟
" رد الخبير: "لا... الغريب إن شكل البصمة نفسها ناقص، كأن جزء من صباعه متشال أو متغير."
في اللحظة دي، حس آدم إن القضية دي مش عادية. بدأ يسأل البواب: "آخر واحد شفته داخل؟"
قال البواب: "والله يا باشا، دخلت واحدة ست من حوالي ساعة. كانت لابسة بالطو أسود ونظارة، ووشها متغطي بطرحة.
" سأله آدم: “شفتها وهي خارجة؟”
رد: "لا... والله ما شفت حد خرج.
" سكت آدم. يعني الست دخلت... ومخرجتش. لكن هي اختفت فين؟ دخل أوضة النوم، وكانت مرتبة بشكل غريب. على الكومودينو صورة للضحية مع بنت صغيرة، مكتوب وراها بخط إيد: "سامحني يا بابا... في يوم هتفهم الحقيقة." حط الصورة في كيس الأدلة. بعدها بلحظات، واحد من العساكر نادى بصوت عالي: "يا باشا... تعالى بسرعة."
جري آدم ناحيته. كان واقف قدام مكتبة خشب كبيرة في الحيطة. العسكري قال: “حسيت إن في حاجة وراها.” بدأوا يزقوا المكتبة، وفجأة اتحركت. وراها كان فيه باب حديد صغير. اتفتح بصعوبة. كل الموجودين بصوا لبعض في صمت. نزل آدم أول واحد. السلم كان ضيق وضلمة، والهواء بارد بشكل غريب. أول ما وصل آخر السلم، نور الكشاف وقع على أوضة تحت الأرض. وفي نص الأوضة... كان فيه كرسي مربوط عليه راجل. الراجل كان لسه عايش، لكن أول ما شاف آدم، صرخ بكل قوته وقال: "اهربوا... قبل ما يرجع!" وفي نفس اللحظة... اتطفت الأنوار كلها. وسمعوا صوت باب بيتقفل فوقهم بعنف. عرف آدم إنه هو وفريقه بقوا محبوسين تحت الأرض... وإن القاتل... لسه موجود في نفس البيت….