من ضفاف الفرات الى عرش قرطبة
من ضفاف الفرات إلى عرش قرطبة 
في عتمة عام 750 ميلادي، كانت دمشق تعيش ليلة مرعبة غُسلت بالدماء والدموع، معلنةً السقوط المدوي للدولة الأموية وصعود العباسيين الذين استهلوا حكمهم بحملة تصفية وحشية طالت كل من يحمل دماء بني أمية. وفي قلب هذه المأساة، وجد الفتى العشريني عبد الرحمن بن معاوية نفسه مطارداً كطريد لا يملك من أمره شيئاً، يفر في ظلام الليل الدامس دون أن يفكر في ملك ضائع أو مجد زائل، بل كان يرجو فقط أن ينقذ روحه من حد السيف المتأهب لقطف رأسه في أي لحظة
سار الفتى الشاب برفقة شقيقه الصغير يحيى وخادمه الوفي بدر، وعند ضفاف نهر الفرات حاصرتهم خيول الأعداء وجنودهم، فلم يجدوا مفراً سوى إلقاء أنفسهم في المياه الهائجة ومصارعة الأمواج القاسية سباحةً. وتحت وطأة الخوف الشديد والبرد، نادى الجنود العباسيون على الشقيقين واعدين إياهما بالأمان المطلق إن هما عادا، فغلب الخوف على قلب الصغير يحيى وصدق وعودهم ليعود أدراجه إلى الشاطئ، حيث قام الجنود بذبحه فوراً أمام عيني شقيقه عبد الرحمن، الذي واصل سباحته بقلب محطم مكسور وعزيمة فولاذية ولدت من رحم الفاجعة
عاش عبد الرحمن بعد تلك الحادثة خمس سنوات كاملة من التخفي والتشريد المستمر، قاطعاً صحاري مصر القاحلة وفيافي ليبيا وتونس وصولاً إلى أقصى المغرب متخفياً تحت أسماء مستعارة. كان ينام بعين مفتوحة وعين مغمضة، يقتات على شحيح الأرض ويعلم يقيناً أن عيون الخلافة العباسية وجواسيسها يملؤون الدروب طمعاً في الجائزة الذهبية الكبيرة التي رُصدت لمن يأتي برأسه، لكن تلك السنين الطويلة من الجوع والخوف والوحدة صهرت روحه وجعلت منه رجلاً لا تكسره الصدمات ولا تحنيه العواصف
كانت عيناه تتطلعان عبر أفق البحر المتوسط نحو بلاد الأندلس، تلك الأرض الخصيبة التي كانت تئن حينها تحت وطأة الصراعات والنزاعات القبلية الدامية بين الولاة العرب والبربر، فرأى فيها فرصته الكبرى. أرسل خادمه المخلص بدراً ليستكشف الأوضاع ويجس نبض الأنصار المتبقين لبني أمية هناك، وحين تهيأت الظروف وتأكد من وجود قاعدة شعبية تدعمه، عبر البحر وحيداً في عام 755 ميلادي، دون أن يملك جيشاً عسكرياً يحميه أو أموالاً يشتري بها الولاءات، بل كان سلاحه الوحيد حنكته وإرادته المطلقة
بذكاء سياسي فذ وقدرة استثنائية على الإقناع والمناورة، تمكن عبد الرحمن من كسب ود القبائل الأندلسية المتناحرة وتوحيد صفوفهم تحت راية واحدة خاض بها معارك ضارية ضد معارضيه. وكانت المعركة الفاصلة في "المصارة" قرب قرطبة هي المفتاح الذي فتح له أبواب المدينة العريقة ليدخلها منتصراً معلناً تأسيس إمارة قرطبة الأموية ومستقلاً بها تماماً عن بغداد. ولم يكتفِ بتثبيت أركان حكمه، بل شرع فوراً في تشييد مسجد قرطبة الكبير وبناء جيش قوي ومنظم، ليحول الأندلس إلى منارة ساطعة للثقافة والعلوم وسط ظلام أوروبا
تلك العبقرية الفذة والقدرة على الانبعاث من الرماد أجبرت خصمه اللدود، الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، على احترامه رغماً عنه وتلقيبه بـ "صقر قريش" اعترافاً بشجاعته الفائقة في تأسيس دولة عظيمة بمفرده ودون معين. توفي عبد الرحمن الداخل بعد أن كتب بدمه وعرقه واحدة من أعظم ملاحم الكفاح البشري، تاركاً إرثاً حضارياً خالداً أضاء سماء العالم لعدة قرون، مبرهناً للأجيال على أن الإرادة الإنسانية الصلبة قادرة على تحويل الشتات والهرب إلى ملك وإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.