رسائل لم تصل
شقتي القديمه .
لم يكن يوسف يبحث عن الماضي عندما عاد إلى شقته القديمة في كامب شيزار ليبيعها. كان يبحث فقط عن عقد الملكية.
الشقة كانت مغلقة منذ خمس سنوات، منذ الليلة التي انتظرت فيها ليلى ولم تأتِ. كان قد جهز كل شيء للسفر، حقيبتان، تذكرتا سفر إلى تركيا حيث حصل على منحة، وخاتم صغير في علبة قطيفة. اتفقا أن يهربا معاً، أن يبدآ من الصفر بعيداً عن رفض أهلها. لكنها لم تأتِ. هاتفها أغلق. وبعد أسبوع، رآها صدفة في محطة الترام تمسك بيد رجل آخر وتضحك. يومها قرر أن يمحوها.
وهو يفتح دولاب غرفة النوم القديم، وجد صندوقاً خشبياً لم يره من قبل. داخله 12 ظرفاً مرتبة حسب التاريخ، بخط يدها الذي يحفظه عن ظهر قلب.
الرسالة الأولى بتاريخ يوم سفره المفترض: “يا يوسف، سامحني لم أستطع أن آتي. أبي عرف بموضوع سفرنا، وهددني أنه سيؤذيك وسيلغي المنحة بعلاقاته. لم أجد حلاً إلا أن أقول له أنني لا أحبك وأريد أن أتركك.”
الرسالة الثانية، الثالثة، الرابعة... كانت تحكي انهيارها. كيف أجبرها والدها على خطوبة ابن شريكه، الرجل الذي رآه يوسف في الترام، وكيف كانت تتظاهر بالضحك وهي تموت من الداخل. كيف كانت تكتب له كل أسبوع ولا تجرؤ على إرسال الرسائل لأنها وعدت والدها أنها ستقطع كل اتصال به مقابل أن يترك مستقبله وشأنه.
يده كانت ترتجف وهو يقرأ. خمس سنوات من الكره بناها على لقطة عابرة، خمس سنوات ظن فيها أنه الضحية، بينما كانت هي تخوض حرباً وحدها.
آخر رسالة كانت مؤرخة قبل شهرين فقط: “سمعت أنك ستعود لتبيع الشقة. لو وجدت هذا الصندوق، فهذه إشارة أنك يجب أن تعرف الحقيقة. أنا فسخت خطوبتي منذ سنة. أنا الآن أعمل في مكتبة صغيرة في المنشية. لا أطلب منك أن تسامحني أو أن تعود، فقط أردت أن تعرف أنني لم أتوقف عن حبك يوماً واحداً. - ليلى”
لم يشعر يوسف بنفسه إلا وهو يركض في شوارع الإسكندرية المبللة بالمطر. المنشية، المكتبة... كان يحفظ كل مكتباتها.
وجدها هناك، تجلس خلف كومة من الكتب، نحيفة أكثر مما يتذكر، ترتدي نفس النظارة القديمة. رفعت رأسها، وتجمدت.
قالت بذهول: “يوسف؟”
لم يقل أي شيء. وضع الصندوق الخشبي على الطاولة أمامها وفتحه. انهارت دموعها قبل أن تنطق.
قال بصوت مكسور: “12 رسالة... 12 مرة كان ممكن ننقذ نفسنا، وانتي قررتي تنقذيني لوحدك.”
اقتربت منه وقالت: “كنت فاكرة إني بحميك.”
همس: “واحنا ضيعنا خمس سنين من عمرنا عشان بتحميني.”
في تلك اللحظة، لم يكن هناك عتاب يكفي، ولا اعتذار يكفي. كان هناك فقط رجل وامرأة أضاعا بعضهما بسبب حب كبير وخوف أكبر، والآن أمامهم فرصة أخيرة ليقرروا هل الحب المتأخر يمكن أن يصبح حباً في وقته الصحيح؟
مد يده وأمسك يدها فوق الصندوق، فوق كل الرسائل التي لم تصل، وكأنها أخيراً وصلت.