عمرو بن العاص: القائد الذي فتح مصر بأربعة آلاف فارس فقط
عمرو بن العاص: القائد الذي فتح مصر بأربعة آلاف فارس فقط
النبذة المختصرة
بعد ستة قرون من الحكم الروماني ثم البيزنطي، وصل إلى حدود مصر جيش عربي صغير نسبياً، لكنه حمل معه ديناً جديداً ونظام حكم مختلفاً تماماً، وجد أرضاً منهكة من الصراعات الدينية الداخلية وضرائب بيزنطية خانقة، مهيأة أكثر مما توقع أحد لتقبل حكام جدد.
بيزنطة مصر: قرون من الاستقرار المتوتر
بعد انقسام الإمبراطورية الرومانية إلى شطرين شرقي وغربي أواخر القرن الرابع الميلادي، أصبحت مصر جزءاً من الإمبراطورية البيزنطية الشرقية، حاكمة من القسطنطينية البعيدة. استمرت مصر خلال هذه الحقبة البيزنطية الطويلة مركزاً مسيحياً بالغ الأهمية، لكن العلاقة بين الكنيسة القبطية المصرية المحلية والسلطة الكنسية الرسمية في القسطنطينية توترت بشدة بعد مجمع خلقيدونية عام 451 ميلادياً، الذي تبنى عقيدة لاهوتية حول طبيعة المسيح رفضتها الكنيسة القبطية المصرية بشكل قاطع، معتبرة نفسها ممثلة للعقيدة الأرثوذكسية الحقيقية. أدى هذا الانقسام اللاهوتي العميق إلى قرون من الاضطهاد البيزنطي الرسمي ضد الأقباط المصريين "المنشقين" دينياً، تاركاً جرحاً عميقاً من الاستياء الشعبي المتراكم ضد الحكم البيزنطي المفروض من بعيد.
عمرو بن العاص يقود جيشاً صغيراً بثقة كبيرة
في عام 639 ميلادياً، بعد سنوات قليلة من وفاة النبي محمد وانتشار الدين الإسلامي الجديد بسرعة مذهلة في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، قاد القائد العربي عمرو بن العاص جيشاً محدود العدد نسبياً، يُقدَّر بأربعة آلاف فارس فقط في المرحلة الأولى، عبر سيناء نحو حدود مصر الشرقية. كان هذا العدد المحدود مفاجئاً حين يُقارن بحجم الإمبراطورية البيزنطية الهائل وقوتها العسكرية المفترضة، لكن عمرو بن العاص كان يعتمد على عنصرين استراتيجيين حاسمين: خبرته العسكرية المكتسبة من حملات الفتح السابقة في بلاد الشام، وتوقعه الذكي بأن الأقباط المصريين المضطهدين دينياً لن يقاتلوا بحماس حقيقي دفاعاً عن حكامهم البيزنطيين الذين اضطهدوهم لقرون طويلة.
حصار بابليون وسقوط حصن استراتيجي
واجه عمرو بن العاص تحدياً عسكرياً حقيقياً عند حصن بابليون المحصن جيداً، الواقع في موقع استراتيجي مهم بالقرب من موقع القاهرة الحالية، حيث تحصنت الحامية البيزنطية بقيادة المقوقس، الحاكم البيزنطي البارز في مصر. استمر الحصار لعدة أشهر متتالية، خلالها وصلت تعزيزات عربية إضافية من المدينة المنورة لدعم قوات عمرو المحاصرة، بينما كانت الإمبراطورية البيزنطية نفسها منشغلة بصراعات داخلية وضغوط عسكرية أخرى تمنعها من إرسال دعم عسكري كافٍ وفعال لحامية مصر المحاصرة. سقط حصن بابليون أخيراً عام 641 ميلادياً، لتصبح الطريق مفتوحة أمام الجيش العربي نحو الإسكندرية، عاصمة مصر البيزنطية الكبرى والمحصنة بشكل أقوى بكثير.
اتفاقية إسكندرية: استسلام بشروط
بدلاً من خوض حصار طويل ومكلف لمدينة الإسكندرية المحصنة جيداً وذات الأسوار المنيعة والمطلة على البحر، تفاوض عمرو بن العاص مع المقوقس على اتفاقية استسلام سلمي نسبياً، عُرفت لاحقاً باتفاقية الإسكندرية، منحت السكان المسيحيين المحليين أماناً على أرواحهم وممتلكاتهم وحرية ممارسة شعائرهم الدينية، مقابل دفع جزية سنوية محددة للحكام العرب الجدد. دخل عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية رسمياً عام 641 ميلادياً دون قتال كبير أو دمار واسع النطاق، منهياً بذلك أكثر من ستة قرون متواصلة من الحكم الروماني ثم البيزنطي لمصر، في تحول سياسي وحضاري جذري لم يكن أحد يتوقع سرعته وسهولته النسبية حين بدأت الحملة قبل عامين فقط.
الفسطاط: مدينة جديدة لعصر جديد
بدلاً من اتخاذ الإسكندرية اليونانية الطابع عاصمة لحكمه الجديد، اختار عمرو بن العاص تأسيس مدينة عربية جديدة بالكامل قرب موقع حصن بابليون القديم، أسماها "الفسطاط"، لتصبح أول عاصمة إسلامية في تاريخ مصر ونواة حقيقية لما سيصبح لاحقاً مدينة القاهرة الكبرى. بنى فيها أول مسجد في أفريقيا بأكملها، عُرف لاحقاً بجامع عمرو بن العاص، الذي لا يزال قائماً حتى اليوم شاهداً على تلك اللحظة التاريخية الفارقة. اختيار هذا الموقع الجديد، بعيداً عن الإسكندرية الساحلية ذات الطابع اليوناني الغالب، عكس رغبة واضحة في بناء هوية سياسية وثقافية جديدة كلياً، متجذرة في عمق الأرض المصرية عند ملتقى الدلتا بوادي النيل، بدلاً من الاستمرار في إرث المدن الهلنستية الساحلية السابقة.
تحول ديموغرافي وديني تدريجي لا مفاجئ
خلافاً لتصورات شائعة عن تحول ديني مفاجئ وقسري، جرى انتشار الإسلام بين السكان المصريين بشكل تدريجي بطيء استمر لعدة قرون تالية، حافظ خلالها الأقباط المسيحيون على أغلبيتهم السكانية لفترة طويلة نسبياً بعد الفتح المباشر، مستفيدين من شروط اتفاقية الاستسلام التي ضمنت حرية ممارسة شعائرهم الدينية مقابل الجزية المفروضة عليهم. ساهمت عوامل متعددة تدريجياً في زيادة اعتناق الإسلام على مدى القرون التالية، من بينها إعفاء المعتنقين الجدد من الجزية، وتزايد الهجرة العربية إلى مصر، والاندماج الثقافي واللغوي التدريجي الذي جعل اللغة العربية تحل تدريجياً محل اليونانية والقبطية كلغة إدارية وتجارية سائدة. هذا التحول التدريجي، الذي استغرق قروناً وليس عقوداً، أرسى الأساس لهوية مصرية جديدة كلياً ستستمر وتتطور عبر العصور الإسلامية المتعاقبة القادمة، من الأمويين والعباسيين وصولاً إلى الفاطميين الذين سيبنون القاهرة الحالية كعاصمة جديدة لامعة.