الطابق السابع... حيث لا يعود أحد كما كان
الفصل الثاني: أول من اختفى
لم أستطع أن أرمش بعد قراءة الرسالة.
كانت الشاشة ما تزال مضيئة، والجملة القصيرة تتوسطها كأنها نُقشت داخل الهاتف لا على شاشته:
"لا تنظر إلى أعلى... لأنه ينظر إليك الآن."
تسارعت دقات قلبي حتى شعرت بأنها ستخترق صدري. حاولت إقناع نفسي بأن أحد أصدقائي يعبث معي، لكن الحقيقة كانت واضحة؛ لا أحد يعرف عنواني الجديد، ولم أمنح رقم هاتفي لأي شخص في المدينة.
أغلقت الهاتف بسرعة، إلا أن الفضول بدأ يلتهمني ببطء.
قالت الرسالة: لا تنظر إلى أعلى.
لكن الإنسان بطبيعته يفعل العكس تمامًا عندما يُطلب منه ألا يفعل شيئًا.
رفعت رأسي ببطء نحو السقف.
لم أرَ شيئًا.
تنفست الصعداء، وكدت أضحك على خوفي، حتى سمعت صوت خشخشة خافتة فوقي، تلتها بقعة صغيرة من الغبار تسقط على الأرض.
ثم ظهرت...
بصمة يد.
كانت مطبوعة على السقف، وكأن شخصًا يقف فوقه من الجهة الأخرى واضعًا كفه بكل قوته.
لكن ما جعل الدم يتجمد في عروقي أن البصمة كانت تتحرك ببطء.
أصابعها الخمسة انزلقت فوق السقف، ثم اختفت في الظلام.
قفزت من السرير وأشعلت جميع الأضواء.
اختفى كل شيء.
لا بصمة... ولا غبار... ولا أصوات.
بقيت مستيقظًا حتى أشرقت الشمس، وعندما تسللت أشعتها إلى داخل الشقة شعرت بشيء من الطمأنينة، وكأن الليل كان كائنًا حيًا غادر المكان مع أول خيط للنهار.
خرجت متجهًا إلى عملي، لكن صورة البصمة لم تغادر ذهني.
في المساء، عدت إلى العمارة فوجدت امرأة مسنة تجلس على كرسي خشبي قرب المدخل.
كانت تحدق في الباب وكأنها تنتظر شخصًا منذ سنوات.
ألقيت عليها السلام، فردت بابتسامة حزينة.
سألتها:
"منذ متى تسكنين هنا؟"
قالت بصوت متعب:
"منذ أن كانت العمارة جديدة."
جلست بجوارها وسألتها مترددًا:
"هل حدثت أشياء غريبة هنا؟"
اختفت ابتسامتها.
نظرت حولها لتتأكد أن أحدًا لا يسمعنا، ثم همست:
"هل سمعت الخطوات؟"
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
أجبتها:
"كيف عرفت؟"
قالت وهي تضم يديها المرتجفتين:
"كل من يسكن الشقة سبعة وعشرين يسمعها."
تجمدت في مكاني.
تابعت حديثها:
"في البداية يظنون أنها مجرد أصوات... ثم تصلهم الرسائل... وبعدها يبدأ هو بمعرفتهم."
سألتها بسرعة:
"من هو؟"
لكنها لم تجب.
بل اكتفت بالنظر نحو أعلى العمارة.
اتبعت نظراتها.
كانت نافذة واحدة فقط مضاءة.
نافذة في الطابق السابع.
رغم أن العجوز أخبرني أن الطابق مغلق منذ ثلاثين عامًا.
لاحظت خوفي فقالت:
"لا تنظر إليها طويلًا."
قلت:
"لماذا؟"
همست:
"لأن من ينظر إليها... يراه صاحبها."
في تلك اللحظة خرج حارس العمارة من
غرفته الصغيرة، وما إن رآنا حتى اقترب مسرعًا.
صرخ في المرأة:
"كم مرة قلت لكِ ألا تتحدثي عن ذلك؟"
انكمشت العجوز في مكانها وغادرت دون أن تنطق بكلمة.
أما الحارس فاقترب مني وقال بنبرة حادة:
"انسَ ما قالته."
أجبته:
"لكنها ذكرت الشقة سبعة وعشرين."
ارتبك للحظة، ثم قال:
"غادر هذه العمارة إن استطعت."
تركته ومضيت إلى شقتي، لكن فضولي كان قد تحول إلى هوس.
دخلت الشقة وأغلقت الباب، ثم بدأت أفتش في الأدراج والخزائن.
كنت أشعر أن من سكن هنا قبلي ترك شيئًا وراءه.
وبالفعل...
داخل أحد الأدراج وجدت دفترًا جلديًا قديمًا مغطى بالغبار.
فتحت الصفحة الأولى.
كان مكتوبًا بخط متوتر:
"إذا وجدت هذا الدفتر، فهذا يعني أنني اختفيت مثل الذين سبقوني. لا تصدق إدارة العمارة... الطابق السابع لم يُغلق أبدًا."
تسارعت أنفاسي وأنا أقلب الصفحات.
وفي الصفحة الأخيرة وجدت صورة قديمة لسكان العمارة التُقطت قبل ثلاثين عامًا.
بدأت أتأمل الوجوه واحدًا تلو الآخر.
ثم تجمدت.
في الصف الخلفي، كان يقف الرجل العجوز الذي سلمني مفتاح الشقة.
لم يتغير وجهه إطلاقًا.
التجاعيد نفسها...
الملابس نفسها...
والابتسامة الباهتة نفسها.
لكن تاريخ الصورة كان يعود إلى أكثر من ثلاثين عامًا.
وفي أسفلها عبارة قصيرة كتبت بالحبر الأسود:
"جميع من في الصورة ماتوا... إلا الحارس."