لقد إستيقظ الظل الجزء الثالث

لقد إستيقظ الظل الجزء الثالث

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

 

 

لقد استيقظ الظل

الفصل الثالث : الرسالة التالية

 

مر أسبوع على وفاة رنا.

لكن منزل نجلاء لم يعد كما كان.

اختفت الضحكات.

أُغلقت الستائر.

وأصبحت رائحة البخور تملأ الغرف طوال اليوم، كأنها تحاول طرد شيء لا يُرى.

أما نجلاء…

فلم تخرج من غرفتها منذ الجنازة.

كانت تجلس أمام صورة ابنتها بالساعات.

لا تتكلم.

ولا تبكي.

فقط تحدق في الصورة.

وفي كل ليلة…

كانت تستيقظ مذعورة على الصوت نفسه.

طَق…

طرقة واحدة.

ثم صمت.

لم تعد تجرؤ على النظر نحو الحديقة.

كانت تعرف أن الصوت يأتي من الكوخ.

لكنها أقسمت ألا تقترب منه مرة أخرى.

 

---

في الجهة الأخرى من المدينة…

كانت ريم تحاول إقناع نفسها بأن كل ما حدث مجرد مصادفة.

“رنا ماتت بحادث.”

هكذا كانت تردد لنفسها كل صباح.

لكنها لم تكن تصدق كلماتها.

منذ وفاة رنا…

لم يعد هاتفها يعمل بصورة طبيعية.

كل ليلة…

في الثالثة تمامًا…

تصلها رسالة من رقم مجهول.

لا تحتوي إلا على وقت واحد.

03:00

ثم تختفي بعد دقائق.

في البداية تجاهلتها.

ثم أغلقت الهاتف.

ثم نزعت شريحة الاتصال.

لكن الرسالة…

كانت تعود دائمًا.

 

---

في مساء الجمعة…

جلست ريم مع والدتها في غرفة المعيشة.

كانت الأم تتحدث عن الجامعة والعمل.

أما ريم…

فلم تكن تسمع شيئًا.

كانت تحدق في شاشة التلفاز.

رغم أنه كان مطفأ.

لأنها رأت انعكاس فتاة تقف خلف الأريكة.

فتاة بثياب ممزقة.

ورأس يميل إلى جانب واحد.

أغمضت عينيها بسرعة.

وحين فتحتهما…

اختفى الانعكاس.

لم تخبر أمها.

بدأت تخشى أن يظن الجميع أنها فقدت عقلها.

 

---

في اليوم التالي…

ذهبت إلى المقبرة.

وقفت أمام قبر رنا.

وضعت باقة من الزهور.

ثم همست:

“أنا آسفة.”

هبت ريح باردة.

وسقطت الزهور من يدها.

لم يكن هناك أحد.

لكنها سمعت صوتًا خافتًا خلفها.

“متأخرة...”

استدارت بسرعة.

لم تجد إلا صفوف القبور.

 

---

في طريق العودة…

كانت السماء ملبدة بالغيوم.

استقلت سيارة أجرة.

جلست في المقعد الخلفي.

وأثناء سير السيارة…

رفعت رأسها نحو المرآة الصغيرة التي يستخدمها السائق.

تجمدت.

في المقعد الخلفي…

كانت ترى نفسها.

وبجوارها…

كانت تجلس فتاة أخرى.

شعرها مبلل.

ورأسها ينزف.

صرخت.

التفت السائق مذعورًا.

“فيه إيه يا آنسة؟”

نظرت مرة أخرى.

لم يكن هناك أحد.

طلبت منه أن يتوقف.

دفعت الأجرة.

وترجلت وهي ترتجف.

 

---

في تلك الليلة…

لم تستطع النوم.

أخذت حبوبًا مهدئة.

أطفأت الأنوار.

وأغلقت الباب والنوافذ.

ثم استلقت.

ظنت أن الليلة ستمر بسلام.

لكن…

في الثالثة تمامًا…

رن هاتفها.

فتحت الشاشة.

كانت رسالة جديدة.

هذه المرة…

لم يكن فيها وقت.

ولا رقم.

بل صورة.

كانت صورة الكوخ.

بابه مفتوح.

وفي الظلام…

شخص يقف داخله.

لم تظهر ملامحه.

لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا.

كان يشير إليها بإصبعه.

سقط الهاتف من يدها.

وحين انحنت لتلتقطه…

اختفت الصورة.

وحل محلها سطر واحد.

“اقترب دورك.”

 

---

في صباح اليوم التالي…

استيقظت ريم على صوت طرق خفيف.

فتحت باب غرفتها.

لم تجد أحدًا.

لكن على الأرض…

كانت هناك آثار أقدام موحلة.

تبدأ من باب المنزل.

وتنتهي…

أمام باب غرفتها.

رفعت رأسها ببطء.

ثم أغلقت الباب.

بالمفتاح.

وجلست على الأرض.

كانت المرة الأولى…

التي تدرك فيها…

أن ما يطاردها…

لا يبحث عن منزلها.

بل عنها هي.

 

منذ تلك الرسالة…

لم تعد ريم تنظر إلى هاتفها.

أغلقته.

وألقته داخل درج مكتبها.

لكنها كانت تشعر باهتزازه طوال الوقت.

كلما اقتربت منه…

يتوقف.

وكلما ابتعدت…

يعود للاهتزاز.

وفي كل مرة تفتحه…

لا تجد أي رسالة.

كأن الهاتف…

يسخر منها.

 

---

بدأت تفقد تركيزها.

في الجامعة…

كانت تسمع من ينادي اسمها.

تلتفت.

ولا تجد أحدًا.

وفي المحاضرات…

كانت ترى فتاة تجلس في آخر القاعة.

شعرها يغطي وجهها.

لا تتحرك.

ولا ترفع رأسها.

لكن…

كلما نظرت إليها ثانية…

يصبح مقعدها فارغًا.

 

---

مرت الأيام.

وأصبحت ريم تخاف من المرايا.

لأنها لم تعد تعكس الواقع.

ذات مساء…

وقفت أمام مرآة الحمام.

غسلت وجهها.

رفعت رأسها.

رأت نفسها.

تنفست براحة.

ثم…

ابتسم انعكاسها.

بينما بقي وجهها جامدًا.

تراجعت خطوة.

لكن الانعكاس لم يتراجع.

بل ظل ينظر إليها.

ثم رفع يده.

وأشار خلفها.

استدارت بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

وعندما عادت لتنظر…

كان الزجاج مغطى بكلمات كُتبت من الداخل.

“ألم تضحكي عندما كنت أبكي؟”

صرخت.

حطمت المرآة.

لكن الكلمات…

بقيت على كل قطعة من الزجاج.

 

---

في تلك الليلة…

دخلت غرفة والديها.

كانت ترتجف.

قالت بصوت متقطع:

“أنا... محتاجة أحكيلكم حاجة.”

قصّت كل شيء.

من أول يوم كانت تتنمر فيه على مريم.

حتى يوم موتها.

ساد الصمت.

نظر الأب إليها بصدمة.

أما الأم…

فأخذت تبكي.

لم تصرخ.

ولم تضربها.

قالت فقط:

“إحنا هنبلغ الشرطة.”

شعرت ريم براحة.

لأول مرة منذ أسابيع.

لكن…

بعد منتصف الليل…

عاد الهاتف للعمل وحده.

أضاءت الشاشة.

رغم أن البطارية كانت فارغة.

ظهرت رسالة واحدة.

“الاعتراف لا يمحو الدم.”

ثم انطفأ.

 

---

في الثالثة فجرًا…

استيقظت ريم.

سمعت صوتًا تعرفه جيدًا.

ضحكة.

ضحكة مريم.

نفس الضحكة التي كانت تسخر منها هي وصديقاتها.

لكنها الآن…

كانت مليئة بالحزن.

خرجت من غرفتها.

كان المنزل غارقًا في الظلام.

ورغم ذلك…

كانت تسمع الضحكة تبتعد.

وتدعوها للحاق بها.

تبعتها.

حتى وصلت إلى الحديقة.

كان المطر يهطل بغزارة.

ورأت أمامها…

كوخًا قديمًا.

تجمدت.

لم يكن في منزلها كوخ.

لكنها كانت تراه بوضوح.

تقدمت نحوه.

ببطء.

كل خطوة…

كانت تعيد إليها ذكرى.

صوت بكاء مريم.

ضحكاتهن.

ثم…

الصخرة.

وضعت يدها على الباب.

وانفتح وحده.

دخلت.

كان المكان فارغًا.

إلا من بقعة دم قديمة على الأرض.

جثت على ركبتيها.

وبدأت تبكي.

“سامحيني...”

ساد الصمت.

ثم…

أُغلق الباب خلفها بعنف.

صرخت.

حاولت فتحه.

لكنه لم يتحرك.

وفجأة…

بدأت تسمع طرقًا.

من الخارج.

طَق…

طَق…

طَق…

نفس الطرقات…

التي كانت مريم تطلقها من الداخل…

طالبة النجدة.

جلست ريم على الأرض.

وضعت يديها على أذنيها.

لكن الصوت ازداد.

ثم…

انقطع فجأة.

وساد صمت مرعب.

في صباح اليوم التالي…

بحثت الشرطة عنها.

عثروا عليها داخل مخزن قديم مهجور في أطراف المدينة.

كانت مستلقية على الأرض.

وعيناها مفتوحتان على اتساعهما.

كأنها ماتت من شدة الرعب.

لم يجدوا جرحًا واحدًا.

ولا أثرًا لاعتداء.

قال الطبيب الشرعي:

 “القلب توقف بصورة مفاجئة... ولا يوجد تفسير واضح.”

 

 

---

في منزل نجلاء…

رن هاتفها.

كانت رسالة من رقم مجهول.

فتحتها بيد مرتجفة.

لم يكن فيها سوى كلمتين.

“بقي اثنان.”

أغلقت الهاتف فورًا.

ثم نظرت نحو الحديقة.

كان باب الكوخ…

مفتوحًا من جديد.

يتبع…….

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mariam تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

3

متابعهم

5

مقالات مشابة
-