حكايات روني / الفصل التاسع:أوصيك بهم .
حكايات روني / الفصل التاسع:أوصيك بهم .
لم أكن أعرف معنى المرض.
كنت أظنه...
مجرد أيامٍ يقضيها الإنسان في المستشفى...
ثم يعود إلى بيته.
لكن في ذلك العام...
بدأت أرى الخوف...
في عيون الكبار. ...
قبل مرض جدي بأيام...
أخذني أبي معه إلى المستشفى.
ظننت أنه ذاهب لزيارة أحد أقاربنا.
لكنني فوجئت...
أنه كان يدخل غرفة...
ثم يخرج منها...
ليدخل غرفةً أخرى.
يسلم على هذا...
ويدعو لذاك...
ويبتسم لذلك الرجل الذي لم أره من قبل.
وقفت أنظر إليه في دهشة.
ثم سألته بعدما خرجنا:
"بابا... إحنا نعرف الناس دي؟"
ابتسم...
وقال:
"لأ يا حبيبي."
ازددت دهشة.
"أمال بتسلم عليهم ليه؟"
ربت على رأسي وهو يسير بجانبي.
وقال:
المريض يا ابني...
بيكون محتاج كلمة طيبة...
يمكن أكتر من احتياجه للدواء.
ثم أكمل وهو يبتسم:
"وزيارة المريض... صدقة."
ومن يومها...
كلما رأيت باب مستشفى...
تذكرت...
أن خلفه قلوبًا...
تنتظر كلمةً تخفف عنها الألم. ...
لم أكن أعلم...
أنني سأعود إلى المستشفى نفسها بعد أيام...
لكن هذه المرة...
من أجل جدي. ...
اشتد المرض على جدي.
ونُقل إلى المستشفى العسكري.
كان البيت...
قد تبدلت ملامحه.
الضحكات اختفت.
والوجوه...
أصبحت تحمل خوفًا لم أره من قبل. ...
وفي إحدى المرات...
طلبت مني أمي أن أنزل مع خالي... لنشتري بعض الأدوية.
خرجنا من باب المستشفى. وأثناء سيرنا...
وقعت عيناي على رجل يقف أمام البوابة.
كان أبي.
يقف بهدوء...
وخلفه أفراد الأمن.
صرخت بفرحة:
"بابا!"
ثم جريت نحوه.
احتضنني...
وربت على رأسي.
فقلت بسرعة:
"بابا... جدو عايزك."
اقترب خالي منا.
وما إن رآه أفراد الأمن...
حتى سمحوا لنا بالدخول.
نظر خالي إلى أبي متعجبًا وقال:
"إنت واقف من بدري؟"
ابتسم أبي...
وقال بهدوء:
"ولا يهمك... كل واحد بيعمل شغله."
ثم دخل...
وكأنه لم ينتظر شيئًا.
ولم أفهم وقتها...
أنه اختار أن يحفظ كرامة من أوقفوه...
قبل أن يتحدث عن كرامته. ...
دخل أبي غرفة جدي.
اقترب منه...
ثم انحنى...
وقبل رأسه.
وقال بصوتٍ امتزج فيه الحب بالاحترام:
"سلامتك يا أغلى الناس... إن شاء الله تقوم بألف سلامة."
ابتسم جدي...
وربت على يده.
ثم نظر إلى الجميع...
وقال بصوتٍ متعب:
"ممكن... تسيبوني أنا وهو شوية."
ساد الصمت.
ثم خرج الجميع.
وأُغلق الباب. ...
لم أسمع ما دار بينهما.
لكنني عرفته بعد ذلك...
من أمي.
قال جدي وهو يمسك يد أبي:
"أنا مش مناديك... عشان أوصيك على بنتي."
ثم ابتسم وقال:
"بنتي... أنا مطمن عليها... لأنها معاك."
وسكت قليلًا...
ثم أكمل:
"أنا مناديك... عشان أوصيك على ولادي."
"إخواتها."
"أنت عارف... كل واحد فيهم طبعه غير التاني."
"لو اختلفوا... اجمعهم."
"ولو احتاجوا... اسندهم."
"ولو ضاقت بيهم الدنيا... افتح لهم باب بيتك."
ثم ضغط على يده...
وقال والدموع في عينيه:
"أنت... ابني... اللي ربنا ما كتبليش أخلفه."
ثم أكمل بصوتٍ متعب:
"أنا داخل أقابل ربنا... ومش خايف على بيتي. لأنك فيه."
خرج أبي من الغرفة.
كانت عيناه حمراوين.
لكنه حاول أن يخفي دموعه.
ربت على رأسي...
وابتسم.
كما يفعل دائمًا. ...
وبعد ساعات...
رحل جدي.
وامتلأ البيت بالبكاء.
وامتلأت الممرات... بالوجوه الحزينة.
لكن أكثر ما لفت انتباهي...
لم يكن عدد من حضروا الجنازة...
ولا كلمات الرثاء.
كان أبي.
كل واحد من أخوالي...
كان يلتفت إليه.
يسأله:
"هنعمل إيه؟"
ويقف ينتظر رأيه.
رأيته يبكي...
لأول مرة.
لكن الغريب...
أنه كان كلما اقترب منه أحد...
يمسح دموعه أولًا..
. ثم يمسح دموع من أمامه.
يحتضن هذا...
ويهدئ تلك...
ويجيب عن أسئلة الجميع...
وكأن الرجل...
نسي حزنه...
ليحمل حزن الآخرين.
وبينما كان الجميع...
قد فقدوا رجلًا...
كانوا جميعًا...
يلتفون حول رجلٍ آخر.
حينها...
فهمت...
لماذا لم يوصِ جدي أبناءه… ببعضهم.
بل أوصى بهم... إلى أبي.
لأن هناك رجالًا...
يتركون لأولادهم...
مالًا.
وهناك رجال...
يتركون لأولادهم... بيوتًا.
أما جدي...
فقد ترك لأولاده...
إنسانًا.
وفي تلك الليلة...
لم أبكِ...
لأن جدي مات.
بكيت...
لأن أبي بكي.
يتبع..
