حريق القاهرة 1952 – السبت الأسود: حين احترق قلب العاصمة
حريق القاهرة 1952 – السبت الأسود: حين احترق قلب العاصمة

في يوم 26 يناير 1952م اندلعت فوضى غير مسبوقة في وسط القاهرة عُرفت لاحقًا بـ«السبت الأسود» أو حريق القاهرة 1952، وهو حدثٌ غريب وغامض في تاريخ مصر الحديث، لم يُحسم حتى اليوم من كان وراءه بالضبط، لكنه شكّل نقطة مهمة في سلسلة الأحداث التي انتهت بثورة 23 يوليو 1952.
🧨 الظروف السياسية المهيّجة قبل الحريق
في 25 يناير 1952، وقع ما عُرف بـ معركة الإسماعيلية بين الشرطة المصرية وقوات الاحتلال البريطاني، انتهت بسقوط نحو 50 من رجال الشرطة المساعدين المصريين قتلى وأعداد أخرى من الجرحى، الأمر الذي أثار سخطًا شعبيًا واسعًا في القاهرة.
في صباح اليوم التالي، 26 يناير، انتشر نبأ الاشتباكات في العاصمة، فخرجت مظاهرات غضب عارمة في الشوارع. مع تزايد التوتر، انحرفت جماهير عن مظاهراتها السلمية، وشهدت وسط القاهرة سلسلة من الحرائق والنهب امتدت من ميدان الأوبرا حتى ميدان رمسيس وما بينهما.
🏙️ حجم الدمار: أكثر من 700 منشأة
في غضون ساعات قليلة فقط، التهمت النيران ما يقرب من 700 منشأة في قلب العاصمة، شملت مجموعة واسعة من أهم معالم الحياة الاجتماعية والاقتصادية في القاهرة آنذاك:
🏨 الفنادق والمباني الكبرى
فندق شيبرد (Shepheard’s) – أحد أشهر الفنادق في القاهرة.
فندق متروبوليتان
فندق فيكتوريا
عدد من الفنادق الأخرى ضمن 13 فندقًا كبيرًا.
مباني «شيكوريل» و«عمر أفندي» التجارية المعروفة.
🎥 دور السينما والمسارح
نحو 40 دار سينما من بينها:
ريفولي (Rivoli)
راديو (Radio)
ديانا (Diana)
ميامي (Miami)
وأخرى كثيرة.
☕ المقاهي والمطاعم والأندية
73 مقهى ومطعمًا من بينها المقاهي والمعارض الكبيرة.
16 ناديًا اجتماعيًا.
92 حانة ومطاعم أخرى.
🏢 مؤسسات ومكاتب
نحو 117 مكتب أعمال وشقق سكنية دُمّرت أو تعرضت لأضرار.
30 مكتبًا لشركات كبرى أُحرق بعضها.
المشهد كان أقرب إلى سقوط مدينة تجارية كاملة في ساعات قليلة، إذ امتد الحريق من منطقة الأوبرا غربًا إلى ميدان المحطة (رمسيس) وشوارع العباسية والظاهر والهرم.
⚰️ الضحايا والخسائر البشرية
وفقًا لتقارير رسمية ووثائق صحفية، أسفرت أحداث الحريق عن:
قتل ما بين 26 و36 شخصًا – وذلك حسب المصادر والأبحاث المختلفة.
إصابة نحو 552 شخصًا بجروح متفاوتة، من حروق وكسور وإصابات أخرى.
آلاف العمال والعاملين في المنشآت المتضررة تشرّدوا وأثر ذلك امتد إلى أسرهم، إذ قُدّر عدد من يعولون بعشرات الآلاف نتيجة الدمار.
خسائر مادية ضخمة قدّرتها جهات أجنبية بملايين الجنيهات.
🔍 من كان وراء الحريق؟ لغز ما زال قائمًا
ظل السؤال الأهم معلقًا: من أشعل النار؟
طوال عقود، ظهرت عدة نظريات متضاربة:
ربط البعض الحريق بـ عناصر متطرفة داخل الجماهير استغلت الغضب الشعبي في الفوضى.
ذُكرت اتهامات بحق جماعات سياسية مؤثرة في ذلك الوقت، تستغل الفوضى لتحقيق أهدافها.
هناك من أشار إلى تورّط أطراف خارجية في تأجيج الموقف.
حتى قامت تحقيقات ومحاكمات بعد الحدث، إلا أن الأدلة لم تُحسم بشكل قاطع.
حتى اليوم، لا يزال السبب الحقيقي وراء إشعال الحريق غير مؤكد بالكامل، مما يجعل الحدث موضوعًا مهمًا في الدراسات التاريخية حول نهاية الحقبة الملكية في مصر.
📉 النتائج والتداعيات السياسية
أثر حريق القاهرة تأثيرًا بالغًا في المشهد السياسي والاجتماعي:
ساهم في تراجع شعبية النظام الملكي والحكومة في مرحلة حرجة.
أعطى انطباعًا قويًا عن تفكك النظام وفقدان السيطرة الأمنية، وهو ما ساعد في تهيئة الأجواء لثورة 23 يوليو 1952 التي أنهت الملكية في مصر بعد أشهر قليلة.
في الختام
حريق القاهرة في 26 يناير 1952 هو واحد من أهم الأحداث التي تُظهر تآزر الغضب الشعبي، التوتر السياسي، والفوضى الأمنية في زمن حاسم من تاريخ مصر الحديث.
رغم مرور أكثر من سبعة عقود على وقوعه، لا يزال هذا الحدث لغزًا تاريخيًا محوريًا يستحق البحث والدراسة، لأنه يجيب على سؤال كبير: كيف يمكن لحدث عاصف، غامض الدوافع، أن يساهم في تغيير جذري لمسار أمة بأكملها؟