رحلة "السلحفاة": قصة أول غواصة هزت أعماق التاريخ
رحلة "السلحفاة": قصة أول غواصة هزت أعماق التاريخ
1. بذور الفكرة في عقل الثائر ديفيد بوشنيل
في عام 1775، وبينما كانت رياح الثورة الأمريكية تشتد، كان هناك طالب عبقري في جامعة ييل يدعى "ديفيد بوشنيل". لم يكن بوشنيل يفكر في البنادق التقليدية، بل كان مسكوناً بفكرة مجنونة: كيف يمكن مهاجمة السفن البريطانية العملاقة من الأسفل؟ حيث يكمن ضعفها القاتل بعيداً عن فوهات المدافع. كانت هذه اللحظة هي الميلاد الحقيقي لمفهوم الغواصة كلاح يغير موازين القوى.
2. التصميم الهندسي المستوحى من الطبيعة

بدأ بوشنيل في تصميم هيكله العجيب، واختار له شكلاً يشبه بيضة عملاقة أو سلحفاتين ملتصقتين بالظهر. اعتمد في البناء على خشب البلوط القوي، مع تدعيمه بأحزمة حديدية لمنع الضغط من سحق الغواصة. كانت "السلحفاة" أول محاولة جادة لمحاكاة الكائنات البحرية، حيث صمم بوشنيل نظاماً يسمح للمركبة بالارتفاع والانخفاض عبر خزانات مياه بدائية يتم التحكم فيها يدوياً.
3. محرك بشري في قلب الخشب
لم تكن هناك محركات ديزل أو كهرباء، بل كان قلب الغواصة هو "المشغل البشري". كان على القائد أن يجلس في مساحة ضيقة جداً، محاطاً بمجموعة من الأذرع والتروس. كان عليه أن يدير مروحة يدوية للتحرك للأمام، وأخرى للتحرك رأسياً، مع التحكم في الدفة بقدميه. كان الأمر يتطلب
4. معضلة الضوء والأكسجين تحت الماء
واجه بوشنيل تحدياً تقنياً فريداً؛ كيف يرى القائد في الظلام الدامس دون استخدام شمعة تحرق الأكسجين؟ هنا تجلت عبقريته، حيث استخدم نوعاً من الفطر الفسفوري المتوهج (المعروف بنار الثعلب) لإنارة أجهزة القياس والبوصلة. كانت الغواصة تحمل أكسجيناً يكفي لنحو 30 دقيقة فقط، مما جعل كل ثانية تحت الماء سباقاً حقيقياً مع الموت والاختناق.
5. السلاح السري والمثقاب اللعين
لم تكن الغواصة تحمل مدافع، بل كانت تحمل "لغماً" يحتوي على 150 رطلاً من البارود. كانت الخطة تقضي بأن يغوص القائد تحت السفينة المستهدفة، ويستخدم مثقاباً يدوياً لخرق هيكلها الخشبي، ثم يثبت اللغم بمؤقت زمني ويهرب. كانت هذه أول محاولة في التاريخ لاستخدام الطوربيدات الثابتة، وهو ابتكار سبق عصره بعقود طويلة من الزمن.
6. الليلة الموعودة ومهمة "إزرا لي"
في ليلة السابع من سبتمبر 1776، انطلق المتطوع الشجاع "إزرا لي" في مهمة انتحارية لضرب السفينة البريطانية "إيجل" في ميناء نيويورك. كانت المياه مضطربة والتيارات قوية، لكن "لي" نجح في الوصول إلى
أسفل السفينة العملاقة. بدأ في تدوير المثقاب بكل قوته، لكن القدر كان له رأي آخر؛ فقد اصطدم المثقاب بصفيحة حديدية تقوي هيكل السفينة، ولم يستطع اختراقها رغم محاولاته المستميتة.
7. الهروب المثير وانفجار الفجر
مع بزوغ الفجر ونفاذ طاقة "إزرا لي"، اضطر للانسحاب والعودة إلى الشاطئ. ولكي يشتت انتباه القوارب البريطانية التي بدأت تطارده، أطلق اللغم الموقوت في الماء. بعد دقائق، وقع انفجار هائل هز أركان الميناء وقذف بأعمدة المياه إلى السماء. رغم أن السفينة لم تغرق، إلا أن الرعب دب في قلوب البريطانيين الذين أدركوا أن "وحشاً غير مرئي" يتربص بهم في الأعماق.
8. جورج واشنطن والاعتراف بالعبقرية
رغم فشل المهمة تقنياً في إغراق السفينة، إلا أن القائد جورج واشنطن وصف اختراع بوشنيل بأنه "جهد عبقري". كان يدرك أن "السلحفاة" قد غيرت مفهوم الحرب البحرية للأبد. لم تعد البحار ملكاً لمن يملك أكبر عدد من السفن فقط، بل أصبحت التكنولوجيا والقدرة على الاختفاء هي اللاعب الجديد في الساحة الدولية.
9. إرث بوشنيل وتطور العلم البحري
فُقدت "السلحفاة" لاحقاً في معركة أخرى، لكن مخططاتها لم تضع. أصبحت رحلة بنائها هي الكتاب الأول الذي تعلم منه مهندسو الغواصات لاحقاً مثل روبرت فالتون. لقد أثبتت هذه الرحلة أن الفكر البشري قادر على تجاوز حدود المستحيل، وأن قطعة من الخشب مع قليل من الفسفور وكثير من
الشجاعة يمكن أن تتحدى أقوى إمبراطورية في العالم.
10. دروس من أعماق التاريخ
تظل قصة بناء أول غواصة تذكيراً بأن الابتكار يولد من رحم الحاجة. "السلحفاة" لم تكن مجرد آلة غارقة، بل كانت قفزة إيمانية في المجهول. علمتنا أن العلم يحتاج إلى جسارة بقدر ما يحتاج إلى معادلات، وأن أولئك الذين يجرؤون على الغوص في الظلام هم فقط من يستطيعون رؤية ضوء المستقبل وتغيير مسار التاريخ البشري.