ملكات مصر القديمة بين قدسية المعبد وسلطة المسلة

ملكات مصر القديمة بين قدسية المعبد وسلطة المسلة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

علاقة ملكات مصر القديمة بالمعابد والمسلات: سلطة مقدسة ونفوذ سياسي

image about ملكات مصر القديمة بين قدسية المعبد وسلطة المسلة

لم تكن ملكات مصر القديمة مجرد زوجات للملوك أو شخصيات ثانوية في ظل السلطة الذكورية، بل لعبن أدوارًا دينية وسياسية محورية، تجلّت بوضوح في علاقتهم المباشرة بالمعابد والمسلات. فقد شكّلت هذه المنشآت الدينية والرمزية أحد أهم ميادين حضور الملكة، حيث التقت القداسة بالسياسة، والطقس بالسلطة.


الملكة بوصفها كيانًا دينيًا

في العقيدة المصرية القديمة، لم يكن الملك وحده وسيطًا بين البشر والآلهة، بل شاركته الملكة هذا الدور، خاصة في صفتها كـزوجة الإله أو زوجة آمون في بعض العصور، لا سيما خلال الدولة الحديثة. هذا اللقب لم يكن شرفيًا، بل منح صاحبته نفوذًا حقيقيًا داخل المؤسسة الدينية، وحق الإشراف على طقوس كبرى داخل المعابد.

برز هذا الدور بوضوح في طيبة، حيث أصبحت بعض الملكات جزءًا من الطقوس اليومية لمعبد آمون، وظهرن في النقوش وهن يقدمن القرابين، أو يشاركن في الاحتفالات الدينية الكبرى، في تأكيد على شرعية الحكم واستمرارية النظام الكوني (ماعت).


المعابد كمساحة للنفوذ النسوي

لم تكن المعابد مجرد أماكن عبادة، بل مؤسسات اقتصادية وسياسية ضخمة. وقد ارتبط اسم عدد من الملكات مباشرة ببناء المعابد أو توسعتها أو ترميمها.
الملكة حتشبسوت تمثل المثال الأبرز؛ إذ شيدت معبدها الجنائزي في الدير البحري، ليس فقط كمكان لعبادة آمون، بل كبيان سياسي وفكري يرسخ شرعية حكمها كفرعون أنثى. وقد صوّرتها النقوش في هيئة ملك ذكر أحيانًا، وفي هيئة امرأة مقدسة أحيانًا أخرى، في مزج متعمد بين الجنس والسلطة والقداسة.

https://cdn.britannica.com/71/178471-050-1001190A/Temple-of-Hatshepsut-Dayr-al-Bahri-Egypt-Thebes.jpg

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/5/5a/Temple_Relief_of_Queen_Arsinoe_II%2C_Egypt%2C_Ptolemaic_period%2C_detail%2C_after_270_BC%2C_limestone%2C_ochre%2C_charcoal%2C_and_Egyptian_blue_on_chalk_-_Arthur_M._Sackler_Museum%2C_Harvard_University_-_DSC01458.jpg

https://www.egypttourpackages.com/images/egypt_blog/Abu-Simbel-Nefertari-Temple_6wyB.jpg

4

كما ارتبط اسم نفرتاري، زوجة رمسيس الثاني، بمعبد أبو سمبل الصغير، حيث نُحتت تماثيلها مساوية في الحجم لتماثيل الملك، في سابقة فنية ودلالية تعكس مكانتها الدينية والسياسية.


المسلات: بيان حجري للسلطة

المسلات كانت من أكثر الرموز المعمارية ارتباطًا بالشمس والإله رع، ونقش اسم الملك أو الملكة عليها يعني تخليد السلطة وربطها بالسماء.
شاركت بعض الملكات بشكل مباشر في إقامة المسلات أو تخليد أسمائهن عليها. حتشبسوت مرة أخرى تتصدر المشهد، إذ أقامت مسلات ضخمة في معبد الكرنك، وحرصت على تسجيل ألقابها الملكية كاملة، مؤكدة شرعية حكمها بأمر إلهي مباشر من آمون.

لم تكن المسلة مجرد نصب تذكاري، بل وثيقة سياسية ودينية، تؤكد أن الملكة ليست وصية مؤقتة، بل حاكمة شرعية ذات صلة مباشرة بالآلهة.


الملكة بين الرمزية والواقع

تكشف النقوش المعمارية داخل المعابد وعلى المسلات عن وعي مصري مبكر بدور المرأة في الحكم. فالملكة لم تكن فقط رمزًا للخصوبة أو الأمومة، بل عنصرًا فاعلًا في استقرار الدولة، وضامنًا لاستمرار العلاقة بين الأرض والسماء.

وقد استخدمت الملكات المعابد والمسلات كأدوات خطاب بصري، تخاطب بها الشعب والكهنة والآلهة في آن واحد، لتقول إن السلطة لا تُختزل في الذكورة، بل في القدرة على حفظ النظام الكوني وتحقيق ماعت.


خاتمة

تؤكد دراسة علاقة ملكات مصر القديمة بالمعابد والمسلات أن المرأة في الحضارة المصرية لم تكن على هامش التاريخ، بل في قلبه. فمن خلال العمارة المقدسة والنقوش الحجرية، استطاعت الملكات أن يرسمن لأنفسهن حضورًا خالدًا، يجمع بين القداسة والسلطة، ويكسر كثيرًا من الصور النمطية عن دور المرأة في العالم القديم.
لقد كانت المعابد والمسلات لسان حال الملكات، وصوتًا حجريًا لا يزال يتحدث حتى اليوم.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

222

متابعهم

72

متابعهم

192

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.