نفرتيتي وحتشبسوت: قراءة في السلطة النسائية في مصر القديمة
نفرتيتي وحتشبسوت: قراءة في السلطة النسائية في مصر القديمة
أولًا: حتشبسوت – شرعية تُصاغ بلغة الملوك



4
تمثل الملكة حتشبسوت واحدة من أنجح تجارب الحكم النسائي في التاريخ المصري. لم تحكم بوصفها زوجة ملك أو وصية فحسب، بل اعتلت العرش كفرعون كامل الصلاحيات في الأسرة الثامنة عشرة.
1️⃣ صناعة الشرعية الدينية
أدركت حتشبسوت أن المجتمع المصري لم يكن يرفض المرأة في الحكم من حيث المبدأ، لكنه اعتاد صورة الفرعون الذكر بوصفه تجسيدًا لحورس.
لذلك لجأت إلى استراتيجية ذكية:
أعلنت نسبًا إلهيًا مباشرًا من الإله آمون.
صوّرت نفسها في النقوش بملامح ذكورية ولحية ملكية.
لم يكن هذا إنكارًا لهويتها الأنثوية، بل توظيفًا للرمز الذكوري لضمان استقرار السلطة.
2️⃣ السلطة عبر الاستقرار لا الصدام
بعكس الانقلابات، اعتمدت حتشبسوت على:
الاستمرارية المؤسسية
الحفاظ على كهنوت آمون
توسيع التجارة (بعثة بونت الشهيرة)
مشروعات عمرانية ضخمة مثل معبد الدير البحري
كانت سلطتها قائمة على التحالف مع النخبة الدينية والإدارية، لا على كسرها.
3️⃣ نموذج "الاندماج في النظام"
يمكن القول إن حتشبسوت لم تُعد صياغة الدولة، بل أعادت تموضع نفسها داخلها.
لقد نجحت لأنها لم تهدم البنية القائمة، بل أتقنت استخدامها.
ثانيًا: نفرتيتي – السلطة في ظل الثورة



على النقيض من ذلك، ظهرت نفرتيتي في سياق ثوري خلال حكم زوجها أخناتون.
1️⃣ شراكة في إعادة تعريف الشرعية
المشروع العمارني لم يكن مجرد إصلاح ديني، بل إعادة هندسة للعلاقة بين الإله والدولة.
وفي هذا المشروع، لم تكن نفرتيتي ظلًا، بل شريكًا في المعادلة المقدسة:
آتون → الملك والملكة → الشعب.
ظهرت في مشاهد تضرب الأعداء، وتقدم القرابين، وتقف بمستوى مساوٍ للملك — وهو أمر غير مألوف في الفن المصري التقليدي.
2️⃣ السلطة بوصفها ثنائية
إذا كانت حتشبسوت جسدت "الملك الواحد"، فإن نفرتيتي جسدت "القيادة الثنائية".
فالمشروع العمارني قام على صورة أسرة مقدسة تحت أشعة آتون.
هذا يعكس تصورًا مختلفًا للسلطة:
لا تقوم على ذكورة رمزية
بل على تكامل ذكوري-أنثوي داخل شرعية جديدة
3️⃣ هشاشة التجربة
لكن قوة نفرتيتي كانت مرتبطة بقوة المشروع ذاته.
عندما انهارت الثورة الدينية بعد وفاة أخناتون، تلاشى نفوذها، واختفت من السجلات.
وهنا يظهر الفارق الجوهري:
سلطة نفرتيتي كانت جزءًا من مشروع أيديولوجي جذري، بينما سلطة حتشبسوت كانت جزءًا من نظام مستقر.
المقارنة السياسية بين النموذجين
| العنصر | حتشبسوت | نفرتيتي |
|---|---|---|
| طبيعة السلطة | فرعون مستقل | شراكة ثورية |
| العلاقة بالكهنوت | تحالف | صدام مع كهنوت آمون |
| الاستراتيجية | اندماج داخل النظام | إعادة صياغة النظام |
| الاستقرار | طويل نسبيًا | قصير ومؤقت |
| الرمزية | تبني رموز ذكورية | تأكيد الثنائية المقدسة |
قراءة أعمق: مفهوم السلطة النسائية في مصر القديمة
مصر القديمة لم تمنع المرأة من الحكم، لكنها فرضت على الحاكمة أن:
تؤسس شرعية دينية قوية
توازن بين التقليد والتجديد
تدير تحالفات مع مراكز القوة
حتشبسوت نجحت لأنها احترمت المعادلة التقليدية.
نفرتيتي كانت أكثر جرأة، لكنها ارتبطت بثورة لم تكتمل.
الخلاصة الفكرية
السلطة النسائية في مصر القديمة لم تكن استثناءً طارئًا، بل كانت احتمالًا سياسيًا ممكنًا إذا توفرت الشروط.
حتشبسوت تمثل نموذج "الاستقرار المؤنث داخل بنية ذكورية".
نفرتيتي تمثل نموذج "التحالف الأنثوي في مشروع ثوري".
الأولى كرّست نفسها فرعونًا.
الثانية كرّست نفسها شريكة في صياغة عقيدة جديدة.
وفي النهاية، يبرهن التاريخ المصري أن مسألة النوع الاجتماعي لم تكن العقبة الأساسية، بل كانت الشرعية السياسية وإدارة موازين القوى.