رمسيس الخامس: فرعون في زمن الاضطراب الإداري والاقتصادي

يُعد رمسيس الخامس أحد ملوك الأسرة العشرين في أواخر الدولة الحديثة، وقد حكم في فترة اتسمت بوضوح علامات التراجع الإداري والاقتصادي داخل بنية الدولة المصرية. تولّى العرش خلفًا لرمسيس الرابع، في مرحلة كانت فيها مصر قد خرجت بالفعل من ذروة قوتها العسكرية التي تميز بها عهد رمسيس الثالث، لتدخل طورًا أكثر هشاشة وتعقيدًا.
أولاً: السياق التاريخي لعصره
جاء حكم رمسيس الخامس في وقت كانت فيه الدولة الحديثة تعاني من إرهاق مالي متراكم نتيجة الحملات العسكرية السابقة، وتضخم جهاز المعابد، وتزايد نفوذ كهنة آمون في طيبة. لم يعد الفرعون يحتكر السلطة الفعلية كما كان في عصور سابقة؛ بل بدأت تظهر ملامح ازدواجية القوة بين البلاط الملكي والمؤسسة الدينية.
كما أن العلاقات الخارجية لم تعد تشهد توسعًا أو انتصارات كبرى، بل اتجهت السياسة المصرية نحو الحفاظ على ما تبقى من النفوذ، وهو ما يعكس تحوّلًا من عقلية الفتح إلى عقلية الدفاع الداخلي.
ثانيًا: الأزمة الاقتصادية وبردية ويلبور
من أهم الشواهد على الوضع الاقتصادي في عهده بردية ويلبور، وهي وثيقة إدارية ضخمة تُعد من أهم المصادر لدراسة الاقتصاد في أواخر الدولة الحديثة. تكشف هذه البردية عن تسجيلات دقيقة للأراضي الزراعية والضرائب المفروضة عليها، كما توضح حجم الممتلكات التابعة للمعابد، خاصة معابد آمون.
تشير البيانات إلى توسّع ملكيات المعابد على حساب الأراضي التابعة مباشرة للتاج، ما يعني تراجع العائدات الملكية المباشرة. هذا الاختلال في توزيع الموارد يعكس تحوّلًا عميقًا في بنية الاقتصاد المصري، حيث أصبحت المؤسسة الدينية لاعبًا اقتصاديًا رئيسيًا ينافس السلطة المركزية.
ثالثًا: البيروقراطية بين التعقيد والعجز
تميّزت مصر في الدولة الحديثة بنظام إداري متطور، غير أن عهد رمسيس الخامس يُظهر جانبًا آخر من هذا التطور: تضخم الجهاز الإداري دون كفاءة مقابلة. كثرت السجلات والتوثيقات، لكن ذلك لم يمنع انتشار الفساد أو سوء التوزيع.
وتشير بعض الأدلة إلى وجود نزاعات على الأراضي، ومراجعات ضريبية متكررة، ما يدل على اضطراب في النظام المالي. هذا التعقيد الإداري ربما كان محاولة للسيطرة على الأزمة، لكنه في الوقت ذاته يعكس ضعفًا في القدرة التنفيذية.
رابعًا: السلطة الدينية وصراع النفوذ
في طيبة، كانت سلطة كهنة آمون في تصاعد مستمر. امتلكت المعابد أراضي واسعة وموارد بشرية واقتصادية ضخمة، وأصبح لكبير الكهنة نفوذ سياسي لا يُستهان به. هذا التوازن المختل بين الملك والكهنة أضعف مركزية الحكم، وأدخل الدولة في حالة من التنافس غير المعلن على الموارد والشرعية.
لم يكن هذا الصراع صداميًا بشكل مباشر في عهد رمسيس الخامس، لكنه كان بنيويًا، يتمثل في إعادة توزيع القوة داخل الدولة.
خامسًا: النهاية الغامضة ومرض محتمل
عُثر على مومياء رمسيس الخامس في المقبرة KV9 بوادي الملوك، وقد لاحظ بعض الباحثين وجود آثار جلدية على وجهه فُسرت على أنها علامات إصابة بمرض الجدري. وإن صحّ هذا التشخيص، فإنه يضيف بعدًا صحيًا إلى فهم أزمته؛ فالأوبئة قد تكون ساهمت أيضًا في إضعاف البنية السكانية والاقتصادية.
خاتمة تحليلية
لم يكن رمسيس الخامس حاكمًا ضعيفًا بالضرورة، بل كان ملكًا ورث أزمة مركبة تجاوزت قدرته على المعالجة. حكمه القصير نسبيًا لم يسمح بإصلاحات جذرية، لكنه كشف بوضوح عن تحولات عميقة داخل الدولة المصرية: تراجع مركزي، تضخم ديني، أزمة مالية، وبيروقراطية مثقلة.
يمثل عهده مرحلة كاشفة في مسار الدولة الحديثة؛ فبينما حافظت مصر على مظهرها الإمبراطوري، كانت في الداخل تعيش بداية تفكك تدريجي سيؤدي لاحقًا إلى نهاية الأسرة العشرين وبداية مرحلة أكثر انقسامًا في تاريخها السياسي.