قراءة تاريخية في شخصية رمسيس الخامس
قراءة تاريخية في شخصية رمسيس الخامس

يُعد رمسيس الخامس من الملوك الذين يصعب رسم صورة نفسية دقيقة لهم، بسبب قِصر مدة حكمه وندرة النقوش التي توثق إنجازاته مقارنةً بأسلافه من عظماء الدولة الحديثة. ومع ذلك، فإن دراسة السياق السياسي والاقتصادي لعصره تتيح لنا قراءة أعمق لشخصيته بوصفه حاكمًا عاش في زمن التحولات البنيوية الكبرى.
أولًا: شخصية في ظل إرث ثقيل
ورث رمسيس الخامس دولة خرجت من مرحلة صراعات عسكرية مكلفة في عهد رمسيس الثالث، وتعيش في ظل تضخم اقتصادي واضح لمؤسسات المعابد، خاصة معابد آمون في طيبة. هذا الإرث جعل من حكمه تجربة إدارة أزمة أكثر منه تجربة صناعة مجد جديد.
تبدو شخصيته، في هذا الإطار، أقرب إلى نموذج الملك المحافظ الذي يسعى للحفاظ على ما تبقى من توازن الدولة، بدل المغامرة بحملات توسعية أو مشاريع ضخمة قد تستنزف الموارد المحدودة.
ثانيًا: بين الصورة الملكية والواقع العملي
استمر رمسيس الخامس في تبني الخطاب الملكي التقليدي: ابن الآلهة، المختار لإقامة ماعت (العدل الكوني)، حامي الحدود. لكن قراءة الوثائق الإدارية، خاصة سجلات الأراضي والضرائب، تكشف أن السلطة الفعلية كانت موزعة بشكل غير متكافئ، وأن نفوذ الكهنة والبيروقراطية كان في تصاعد.
هذا التناقض بين الخطاب الرمزي والواقع الإداري يعكس شخصية ملك يعمل ضمن منظومة تقليدية قوية، لكنه يفتقر إلى أدوات الهيمنة المطلقة التي تمتع بها أسلافه.
ثالثًا: البعد الصحي والإنساني
تشير بعض الدراسات إلى أن مومياء رمسيس الخامس تحمل آثارًا جلدية يُعتقد أنها قد تكون مرتبطة بمرض الجدري. وإذا كان هذا صحيحًا، فإن المرض قد يكون أثر في حالته الجسدية وربما في قدرته على الحكم لفترة أطول.
هذا الاحتمال يضفي على شخصيته بعدًا إنسانيًا؛ فهو ليس فقط حاكمًا في زمن أزمة، بل إنسانًا قد يكون واجه معاناة شخصية في سنواته الأخيرة.
رابعًا: هل كان ضعيفًا أم واقعيًا؟
تقييم شخصية رمسيس الخامس يطرح سؤالًا مهمًا: هل كان ملكًا ضعيفًا، أم حاكمًا واقعيًا أدرك حدود القوة في زمنه؟
القراءة النقدية تميل إلى الرأي الثاني؛ إذ لا توجد شواهد على قرارات كارثية أو إخفاقات عسكرية كبرى، بل على إدارة حذرة لمرحلة انتقالية. وقد يكون اختياره لسياسة أكثر تحفظًا انعكاسًا لوعي سياسي بأن مصر لم تعد قادرة على لعب دور القوة الإمبراطورية نفسها.
خامسًا: شخصية انتقالية في مسار الانحسار
يمكن اعتبار رمسيس الخامس شخصية انتقالية بامتياز؛ فهو يقف بين عصر المجد العسكري لعهد رمسيس الثالث، وبين مرحلة التراجع المتسارع في أواخر الأسرة العشرين. لم يصنع الانهيار، لكنه حكم في لحظة كانت فيها البنية الداخلية للدولة تتغير بعمق.
خاتمة تحليلية
إن قراءة شخصية رمسيس الخامس لا ينبغي أن تقوم على مقارنة مباشرة بأسلاف أكثر شهرة، بل على فهم السياق الذي حكم فيه. لقد كان ملكًا يحاول الحفاظ على شكل الدولة الإمبراطورية، بينما كانت أسسها الاقتصادية والإدارية تتعرض للاهتزاز.
ومن هنا، فإن شخصيته تمثل صورة الملك الذي يقف في مفترق طرق التاريخ: بين ماضٍ مجيد لم يعد قابلًا للاستعادة، ومستقبل يحمل بوادر التفكك السياسي.