تاريخ الطائرات المُسيَّرة: من أحلام التحكم عن بُعد إلى حروب الذكاء الاصطناعي البدايات الأولى: فكرة بلا طيّار
تاريخ الطائرات المُسيَّرة: من أحلام التحكم عن بُعد إلى حروب الذكاء الاصطناعي
البدايات الأولى: فكرة بلا طيّار



لم تولد الطائرات المُسيَّرة (الدرون) في القرن الحادي والعشرين كما يظن البعض، بل تعود جذورها إلى الحرب العالمية الأولى. ففي عام 1917 طوّر البريطانيون طائرة تجريبية عُرفت باسم Aerial Target، اعتمدت على التوجيه اللاسلكي البدائي. وفي الولايات المتحدة ظهر مشروع Kettering Bug عام 1918، وهو أشبه بقنبلة طائرة مبرمجة مسبقًا للوصول إلى هدفها ثم السقوط عليه.
كانت هذه النماذج بدائية وغير دقيقة، لكنها أرست الفكرة الجوهرية: إمكانية فصل الإنسان عن مقصورة القيادة.
وفي ثلاثينيات القرن العشرين، طوّرت بريطانيا طائرة هدفية تُستخدم في تدريب المدفعية الجوية، ومنها جاء مصطلح “Drone” أي “الذكر من النحل”، لأن صوت محركاتها كان يشبه الطنين.
خلال الحرب العالمية الثانية، استخدمت الولايات المتحدة طائرات مثل Radioplane OQ-2 لأغراض التدريب والاستطلاع، مما رسّخ وجود الطائرات غير المأهولة في العقيدة العسكرية الحديثة.
الحرب الباردة: من التدريب إلى التجسس



مع تصاعد التوتر بين المعسكرين الشرقي والغربي، تطورت الطائرات المُسيَّرة من أدوات تدريب إلى أدوات تجسس واستطلاع.
استخدمت الولايات المتحدة طائرات Ryan Firebee في حرب فيتنام لجمع المعلومات فوق أراضٍ معادية دون المخاطرة بحياة الطيارين.
كما طوّرت شركة Lockheed D-21 طائرة استطلاع أسرع من الصوت في الستينيات، صُممت للتحليق فوق أراضي الخصوم وجمع البيانات. ورغم أن كثيرًا من هذه المشاريع بقي سريًا لسنوات طويلة، فإنها أسست لمرحلة جديدة: مرحلة الاستخبارات الجوية غير المأهولة.
الثورة الرقمية: ولادة الدرون الحديث

![]()
في التسعينيات حدث التحول الأكبر. فقد دمجت التقنيات الرقمية، وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS)، والكاميرات الحرارية، والاتصال بالأقمار الصناعية، في طائرات استطلاع متطورة مثل:
MQ-1 Predator
MQ-9 Reaper
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، أصبحت الطائرات المُسيَّرة عنصرًا أساسيًا في العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان والعراق. لم تعد مجرد أدوات مراقبة، بل تحولت إلى منصات قتالية تحمل صواريخ موجهة بدقة.
هنا دخل العالم مرحلة جديدة: الحرب عن بُعد، حيث يمكن اتخاذ قرار عسكري من غرفة تحكم تبعد آلاف الكيلومترات عن ساحة المعركة.
الانتشار العالمي: تعدد الفاعلين



لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد في هذا المجال.
برزت قوى جديدة مثل:
تركيا بطائرتها Bayraktar TB2
الصين بطائرات Wing Loong
إيران بطائرات Shahed 136
في الحرب الأوكرانية (2022–)، ظهر بوضوح كيف يمكن لطائرات صغيرة منخفضة التكلفة أن تغيّر ميزان المعركة، سواء عبر الاستطلاع الفوري أو الهجمات الانتحارية الدقيقة.
الاستخدامات المدنية: من الحرب إلى الحياة اليومية



لم تبقَ الطائرات المُسيَّرة حبيسة المجال العسكري. فمع تطور البطاريات والذكاء الاصطناعي وانخفاض التكلفة، أصبحت جزءًا من الحياة المدنية:
التصوير الجوي وصناعة الأفلام
الزراعة الذكية ورشّ المحاصيل
توصيل الطرود
عمليات البحث والإنقاذ
رسم الخرائط والمسح الأثري
شركة DJI الصينية أصبحت أكبر منتج تجاري للطائرات المُسيَّرة في العالم، مما جعل التكنولوجيا في متناول الأفراد.
الطائرات المُسيَّرة والذكاء الاصطناعي
اليوم لم تعد الطائرات المُسيَّرة مجرد آلات يتم التحكم بها عن بعد، بل أصبحت قادرة على:
التحليق الذاتي
التعرف على الأهداف
اتخاذ قرارات تكتيكية محدودة
العمل ضمن أسراب (Swarm Technology)
هنا يبرز السؤال الأخلاقي:
إلى أي مدى يمكن منح آلة حق اتخاذ قرار القتل؟
هذا السؤال أصبح محور نقاش عالمي في الأمم المتحدة ومراكز الأبحاث العسكرية، خاصة مع ظهور ما يُعرف بـ “الأسلحة الذاتية التشغيل”.
التحول الاستراتيجي: هل غيّرت الدرون طبيعة الحرب؟
يرى كثير من الباحثين أن الطائرات المُسيَّرة أحدثت تحولًا يشبه تحول المدفعية في العصور الوسطى أو الطيران في الحرب العالمية الأولى. فهي:
تخفض التكلفة مقارنة بالطائرات المقاتلة
تقلل الخسائر البشرية للجهة المُستخدمة
تمنح ميزة استطلاع فوري ودقيق
تسمح بحروب منخفضة الحدة طويلة الأمد
لكن في المقابل، يسهل على الجماعات غير النظامية امتلاكها، مما يوسّع دائرة الفاعلين في الصراع.
مستقبل الطائرات المُسيَّرة
المستقبل يتجه نحو:
أسراب مستقلة تعمل بتنسيق ذاتي
دمج كامل مع الذكاء الاصطناعي
طائرات ميكروية بحجم الحشرات
أنظمة مضادة للطائرات المُسيَّرة (Counter-Drone)
قد يصبح المجال الجوي في المدن مزدحمًا بطائرات صغيرة تقوم بالتوصيل والمراقبة والخدمات اللوجستية، مما يفرض تحديات قانونية وأمنية غير مسبوقة.
خاتمة
تاريخ الطائرات المُسيَّرة هو قصة تطور تقني وعسكري متسارع، بدأ بمحاولات بدائية في الحرب العالمية الأولى، وبلغ اليوم مرحلة الذكاء الاصطناعي والقرارات شبه الذاتية.
إنها ليست مجرد أداة عسكرية، بل انعكاس لتحول عميق في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، بين القرار والآلة، وبين الحرب والمسافة.
وإذا كان القرن العشرون هو قرن الطيران المأهول، فإن القرن الحادي والعشرين قد يكون بحق قرن الطائرات بلا طيّار.