مؤتمر يالطة 1945: إعادة رسم خريطة العالم بين المثال والواقعية

مؤتمر يالطة 1945: إعادة رسم خريطة العالم بين المثال والواقعية

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

مؤتمر يالطة 1945: إعادة رسم خريطة العالم بين المثال والواقعية

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/0/05/Yalta_Conference_%28Churchill%2C_Roosevelt%2C_Stalin%29_%28B%26W%29.jpg

https://media.iwm.org.uk/ciim5/21/406/large_000000.jpg

https://www.worldhistory.org/uploads/images/21226.png

4

في فبراير/شباط 1945، وبينما كانت الحرب العالمية الثانية تلفظ أنفاسها الأخيرة في أوروبا، اجتمع قادة الحلفاء الكبار في منتجع يالطة بشبه جزيرة القرم السوفيتية لصياغة ملامح النظام الدولي الجديد. مثّل المؤتمر ذروة التعاون بين القوى العظمى الثلاث، لكنه حمل في طياته بذور الانقسام الذي سيتحول لاحقًا إلى حرب باردة طويلة الأمد. كان اللقاء بين فرانكلين د. روزفلت و**ونستون تشرشل** و**جوزيف ستالين** أكثر من مجرد اجتماع عسكري؛ لقد كان مفاوضة كبرى على شكل العالم القادم.


أولًا: السياق الدولي قبيل المؤتمر

بحلول مطلع عام 1945، كانت ألمانيا النازية على وشك الهزيمة. تقدمت الجيوش السوفيتية من الشرق حتى ضفاف نهر الأودر، بينما كانت قوات الحلفاء الغربيين تعبر نهر الراين. أما في آسيا، فكانت الحرب ضد اليابان لا تزال مستعرة، وتبحث الولايات المتحدة عن ضمان مشاركة سوفيتية فيها لتقليل كلفة الغزو البري المحتمل.

انعقد مؤتمر يالطة بين 4 و11 فبراير 1945 في قصر ليفاديا بالقرم، بعد سلسلة من اللقاءات السابقة أبرزها مؤتمر طهران 1943. غير أن يالطة كان مختلفًا؛ إذ لم يعد السؤال كيف ننتصر في الحرب، بل كيف ندير السلام بعدها.


ثانيًا: أبرز القضايا التي نوقشت

1. مستقبل ألمانيا

اتفق القادة على تقسيم ألمانيا إلى أربع مناطق احتلال: أمريكية، بريطانية، سوفيتية، وفرنسية. كما تقرر تقسيم برلين نفسها رغم وقوعها في المنطقة السوفيتية. كان الهدف المعلن هو نزع السلاح واجتثاث النازية وإعادة بناء ألمانيا على أسس ديمقراطية.

لكن الخلاف كان كامناً: أراد ستالين ضمان أمن الاتحاد السوفيتي عبر إضعاف ألمانيا، بينما فضّل روزفلت وتشرشل إعادة دمجها تدريجيًا في النظام الأوروبي.

2. أوروبا الشرقية وبولندا

كانت بولندا العقدة الأكثر تعقيدًا. فالاتحاد السوفيتي كان قد أقام حكومة موالية له في وارسو، بينما دعمت بريطانيا حكومة بولندية في المنفى بلندن. انتهى النقاش إلى اتفاق غامض يقضي بإعادة تنظيم الحكومة البولندية وإجراء انتخابات حرة.

غير أن هذا الاتفاق سيصبح لاحقًا نقطة اتهام متبادلة؛ إذ رأى الغرب أن موسكو لم تلتزم بإجراء انتخابات حقيقية، بينما اعتبر السوفييت أن أمنهم الاستراتيجي يبرر وجود حكومات صديقة في شرق أوروبا.

3. الأمم المتحدة

أحد أهم إنجازات يالطة كان الاتفاق على تأسيس منظمة دولية لحفظ السلم العالمي، وهي الأمم المتحدة. تم الاتفاق على نظام مجلس الأمن وحق النقض (الفيتو) للدول الخمس الكبرى، وهو بند أصر عليه ستالين ووافق عليه روزفلت لضمان مشاركة موسكو.

4. الحرب ضد اليابان

وعد ستالين بالدخول في الحرب ضد اليابان خلال ثلاثة أشهر من استسلام ألمانيا، مقابل امتيازات إقليمية في منشوريا وجزر الكوريل. وقد التزم الاتحاد السوفيتي بذلك في أغسطس 1945.


ثالثًا: الدوافع الخفية وتوازن القوى

لم يكن القادة الثلاثة على قدم المساواة من حيث الموقع التفاوضي:

ستالين كان يمتلك الجيش الأقوى على الأرض في أوروبا الشرقية.

روزفلت كان يسعى إلى ضمان قيام نظام دولي مستقر قبل وفاته الوشيكة (توفي بعد شهرين فقط).

تشرشل كان قلقًا من تمدد النفوذ السوفيتي، لكنه يفتقر إلى القوة العسكرية الكافية لفرض رؤيته.

هنا يظهر الطابع البراغماتي للمؤتمر؛ فقد اعترف الغرب ضمنيًا بنفوذ سوفيتي في شرق أوروبا مقابل التعاون في الأمم المتحدة والحرب ضد اليابان.


رابعًا: من يالطة إلى الحرب الباردة

بعد أشهر قليلة، توفي روزفلت وتولى هاري ترومان الرئاسة، وكان أقل ثقة بنوايا ستالين. ومع تصاعد الخلافات حول تنفيذ اتفاقات يالطة، بدأت ملامح الانقسام تتبلور.

بحلول عام 1947، أعلن ترومان مبدأه الشهير لاحتواء الشيوعية، وبدأ العالم ينقسم إلى معسكرين. وهكذا اعتبر بعض المؤرخين أن يالطة لم يكن سبب الحرب الباردة، بل كان أول تجلياتها السياسية.


خامسًا: الجدل التاريخي حول المؤتمر

1. هل "باع" روزفلت أوروبا الشرقية؟

اتهم بعض السياسيين الأمريكيين روزفلت بأنه قدّم تنازلات مفرطة لستالين. غير أن مؤرخين آخرين يرون أن الواقع العسكري كان يفرض نفسه: الجيش الأحمر كان يسيطر فعليًا على الأرض، ولم يكن لدى الغرب خيار عملي لطرده دون حرب جديدة.

2. الواقعية السياسية مقابل المثاليات

مثّل يالطة نموذجًا كلاسيكيًا للواقعية السياسية: تقاسم نفوذ بين قوى منتصرة. لكنه في الوقت نفسه جسّد مفارقة أخلاقية، إذ تحدث القادة عن "حرية الشعوب" بينما قُسّمت أوروبا إلى مناطق نفوذ.


سادسًا: الأثر طويل المدى

تقسيم ألمانيا أدى لاحقًا إلى قيام دولتين: ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية.

ترسيخ الهيمنة السوفيتية في أوروبا الشرقية لعقود.

تأسيس الأمم المتحدة التي لا تزال الإطار الدولي الأهم حتى اليوم.

بداية النظام ثنائي القطبية الذي حكم العالم حتى 1991.


خاتمة

لم يكن مؤتمر يالطة مجرد اجتماع عابر في نهاية حرب، بل كان لحظة تأسيسية للنظام الدولي المعاصر. لقد جمع بين المثال الليبرالي الذي حلم به روزفلت، والواقعية الإمبراطورية التي مارسها ستالين، والقلق الاستراتيجي الذي عبّر عنه تشرشل. وبين هذه الرؤى الثلاث تشكّل عالم ما بعد 1945.

إن فهم يالطة لا يقتصر على قراءة وثائقه، بل يتطلب إدراك السياق العسكري والسياسي الذي فرض قراراته. فالمؤتمر لم يخلق الانقسام العالمي، لكنه أعطاه شكله المؤسسي الأول. ومن قصر ليفاديا في القرم، بدأ فصل جديد في تاريخ العلاقات الدولية، فصلٌ سيظل صداه حاضرًا في توازنات القوى حتى يومنا هذا.

نبذه مختصرة عن المقال

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/0/05/Yalta_Conference_%28Churchill%2C_Roosevelt%2C_Stalin%29_%28B%26W%29.jpg

https://media.iwm.org.uk/ciim5/21/406/large_000000.jpg

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/3/30/Livadia_Palace_Crimea.jpg

 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

266

متابعهم

76

متابعهم

195

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.