الحجاج بن يوسف الثقفي: معمار النظام وسيف الدولة الأموية الحازم
الحجاج بن يوسف الثقفي: معمار النظام وسيف الدولة الأموية الحازم

مقدمة:
في تاريخ الأمم والملل، تبرز شخصيات جدلية تقف على الحد الفاصل بين الشدة والضرورة؛ ومن بين هذه الشخصيات يسطع اسم "الحجاج بن يوسف الثقفي". لم يكن الحجاج مجرد والٍ عابر، بل كان "رجل الأزمات" الذي انتدبته الأقدار في لحظة فارقة من عمر الدولة الأموية، حين كانت العواصف والفتن تتهدد كيان الأمة بالتمزق. بصرامة لا تعرف الهوادة، وحزم لا يلين، استطاع الحجاج أن يجمع الشتات ويؤسس لمرحلة من الاستقرار مكنت الجيوش الإسلامية من الانطلاق شرقاً وغرباً، ليرسم خارطة جديدة للمجد الإسلامي.
1. النشأة القرآنية وأثرها في الفصاحة والبيان وُلد الحجاج بن يوسف في مدينة الطائف سنة إحدى وأربعين للهجرة، تزامناً مع بزوغ عهد معاوية بن أبي سفيان. نشأ في بيئة علمية رصينة، حيث اشتغل في حداثته بتثقيف الشباب وتعليمهم القرآن الكريم. ولم يكن تعليم القرآن في ذلك العصر مجرد مهنة، بل كان دليلاً على نباهة الشأن وامتياز العقل وسداد الرأي. هذا التكوين القرآني هو الذي صقل لسان الحجاج، وجعل منه خطيباً مفوهاً يطوع اللغة لخدمة أهدافه السياسية، فكان كلامه يجمع بين بلاغة البيان وقوة السلطان، مما ميزه على أقرانه منذ نعومة أظفاره.
2. من جندية الشرطة إلى عتبات القيادة بدأت مسيرة الحجاج العسكرية جندياً بسيطاً في شرطة "روح بن زنباع الجذامي"، رئيس شرطة الخليفة عبد الملك بن مروان. في تلك المرحلة، لفت الحجاج الأنظار كجندي نموذج يملأ العين والفؤاد؛ إذ توسم فيه رئيسه صفات نادرة تتجاوز مجرد الشجاعة. لقد كان الحجاج يجسد الانضباط العسكري في أسمى صوره، من طاعة مطلقة، وفناء في أداء الواجب، وثقة بالنفس لا تهتز. هذه الصفات جعلت "روح" يقدمه للخليفة كحل سحري لمعالجة التراخي الذي أصاب بعض مفاصل الدولة وجيشها.
3. الاختبار الأول وتطويع الجند المتمردين حين بدأت الثورات تمزق ملك بني أمية، واجه الخليفة عبد الملك بن مروان معضلة تخاذل الجند في حملة "قنسرين" وشمال العراق. كان الجند يميلون إلى التثاقل والجموح، وهنا برز دور الحجاج الذي عُين رئيساً للعسكر. وبمجرد توليه المنصب، أضفى على الجيش صبغته الخاصة من الشدة والحزم، فأعاد الطاعة إلى الصفوف بالقوة والمضاء. أعجب الخليفة بهذا الرجل الفذ الذي استطاع تحويل العسكر المتخاذل إلى قوة ضاربة، مما فتح الباب أمام الحجاج ليتولى أخطر شؤون الدولة وأعقدها.
4. فلسفة السمع والطاعة في فكر الحجاج آمن الحجاج إيماناً مطلقاً بأن "السمع والطاعة" هما الركيزة الأساسية لاستمرار الدولة وحفظ دماء الأمة. كان يرى أن الخروج عن سلطان الدولة هو إباحة للدم، مستشهداً بقوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا". لم يكن لدى الحجاج مكان للهوادة أو الغفران لمن يستخف بالقوانين، وكان يضرب مثلاً بليغاً في الانضباط بقوله إن مخالفة أمر بسيط، كالدخول من باب معين، تستوجب أقصى العقوبة. بالنسبة له، النظام هو صمام الأمان الذي يمنع الحروب الأهلية من افتراس المجتمع.
5. دواؤه لمن أعياه داؤه: منطق السيف والخطابة اشتهر الحجاج بخطبه المزلزلة التي كانت تضع النقاط على الحروف في إدارة الأزمات. فكان يقول بوضوح: "من أعياه داؤه، فعندي دواؤه"، مشيراً إلى أن الحزم والعزم قد بدلا سوطه سيفاً مسلولاً لمن عصى. كان يرى أن سبب إفساد الرعية هو ضعف الولاة السابقين، ولذلك قرر أن يصحح المسار بعقوبة "من سقمت سريرته". هذه الشدة، رغم قسوتها، كانت في نظره الجراحة الضرورية لاستئصال شأفة الفوضى وإرساء قواعد الهيبة التي لا تقوم للدولة قائمة بدونها.
6. الانتصارات الخارجية وثمار الاستقرار الداخلي لم يكن حزم الحجاج داخلياً فحسب، بل كان المحرك الأساسي لحركة الفتوحات العظمى. فبعد أن استتب له الأمر وأخمد الفتن، دفع بالجيوش في أنحاء الأرض، وبرز من قواده الأبطال الذين فتحوا السند ونشروا التوحيد، مثل ابن عمه "محمد بن القاسم الثقفي". لقد حقق الحجاج وعد الله بالتمكين على أيدي قادة اختارهم بعناية، مما يثبت أن شدته في الداخل كانت تهدف لتوفير قاعدة صلبة للانطلاق نحو الخارج، ليظل اسمه مرتبطاً بتوسعة رقعة الإسلام وحماية بيضته.
خاتمة:
إن شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي تظل مثالاً للقائد الذي وظف كل طاقته في سبيل بقاء الدولة وهيبتها. ورغم القسوة التي طبعت عهده، إلا أن التاريخ يشهد له بأنه كان السد المنيع الذي حال دون غرق الأمة في بحور الحروب الأهلية. لقد كان الحجاج مزيجاً فريداً من المعلم القرآني، والجندي المنضبط، والسياسي الحازم، الذي ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ السياسة والإدارة الإسلامية.
توصيات:
دراسة الشخصية بموضوعية: يوصى الباحثون والمؤرخون بقراءة سيرة الحجاج ضمن سياقها التاريخي والفتن التي عاصرها، وعدم الاكتفاء بالنظرة الأحادية التي تركز على الشدة دون الغايات السياسية.
استلهام الانضباط الإداري: ضرورة دراسة "مدرسة الحجاج" في فرض النظام والانضباط الإداري وتطبيقه كأنموذج في إدارة الأزمات الكبرى.
التركيز على الفتوحات: تسليط الضوء على دور الحجاج كداعم ومخطط لحركات الفتح الإسلامي في المشرق، وهو جانب قد يغيب خلف ستار صراعاته الداخلية.
تحليل الخطاب السياسي: دراسة خطب الحجاج كأداة للتوجيه النفسي والسياسي، وفهم كيف ساهمت الفصاحة في تثبيت دعائم السلطة.