طهارقا واسرحدون.. هزيمة الفرعون النوبي ومسلة النصر الآشورية
طهارقا واسرحدون.. هزيمة الفرعون النوبي ومسلة النصر الآشورية



في عام 671 قبل الميلاد، وقعت واحدة من أهم الأحداث العسكرية في تاريخ مصر القديمة والشرق الأدنى: الغزو الآشوري الثاني لمصر بقيادة الملك اسرحدون (Esarhaddon، 680-669 ق.م). كان الخصم الرئيسي هو الفرعون طهارقا (Taharqa أو Tirhakah، حكم 690-664 ق.م)، أحد أبرز ملوك الأسرة الـ25 الكوشية (النوبية) التي حكمت مصر وكوش (شمال السودان حاليًا).
هرب طهارقا جنوبًا تاركًا زوجته وحريمه وأولاده وبناته أسرى في يد الآشوريين. وثّق اسرحدون انتصاره بنصب تذكاري ضخم يُعرف بـمسلة النصر (Victory Stele) المكتشفة في زنكيرلي (سامآل القديمة) في جنوب تركيا، وهي اليوم من أبرز معروضات متحف بيرغامون في برلين.
هذه المقالة تلخص الخلفية التاريخية، سير الأحداث، تفاصيل المسلة، ترجمة أجزاء من نصها، والتداعيات.
خلفية تاريخية: الأسرة الـ25 والإمبراطورية الآشورية
طهارقا كان فرعونًا طموحًا من أصل كوشي (نوبي). بنى معابدًا كثيرة، وساهم في إحياء الفن والعمارة المصرية التقليدية. حكم مصر موحدة من ناپاتا (عاصمة كوش) إلى الدلتا، وحاول التدخل في شؤون الشام (سوريا وفلسطين) لمواجهة التهديد الآشوري. ذُكر طهارقا في الكتاب المقدس (سفر الملوك الثاني وأشعياء) كملك "كوش" ساعد الملك حزقيا ضد آشور.
أما اسرحدون فكان ابن الملك سنحاريب (الذي حاصر أورشليم). تولى الحكم بعد اغتيال والده، وواجه تمردات داخلية ثم ركز على توسيع الإمبراطورية. كانت آشور في ذروة قوتها العسكرية، بجيش منظم يعتمد على الفرسان، المشاة، والحصار المتقدم (أنفاق، سلالم، كباش).
في 674 ق.م تقريبًا، فشلت حملة اسرحدون الأولى ضد مصر أمام مقاومة طهارقا. لكنه تعلم الدرس، فأعد حملة أكبر وأبطأ في 671 ق.م.
الحملة الآشورية ومعركة ممفيس
عبر الآشوريون سيناء ببطء، مع تجنب الأخطاء السابقة. وصلوا إلى الدلتا ثم تقدموا نحو ممفيس (عاصمة طهارقا في الشمال). دارت معارك يومية شرسة. أصيب طهارقا بجروح (ذكر اسرحدون "خمس جروح سهم لا شفاء منها").
في نصف يوم واحد، حاصر الآشوريون ممفيس باستخدام الأنفاق والثغرات والسلالم، فتحوها، نهبوها، وأحرقوها. هرب طهارقا جنوبًا نحو الصعيد ثم كوش ليحافظ على حياته ويُنظم مقاومة مستقبلية، لكنه ترك عائلته الملكية خلفه.
أسر العائلة الملكية
دخل الآشوريون القصر الملكي وأسروا:
- الملكة الرئيسية (زوجة طهارقا الكبرى).
- ابنه البكر وولي عهده أوشانهورو (Usanahuru أو Ushankhuru).
- باقي أولاده وبناته.
- حريمه (النساء في البلاط الملكي) وكبار المسؤولين والخدم.
- ممتلكات هائلة: ذهب، خيول، ماشية، كنوز.
نُقل الأسرى إلى آشور (نينوى) كغنائم. كان هذا إذلالًا كبيرًا لطهارقا، الذي حاول لاحقًا (حوالي 669 ق.م) استعادة ممفيس، لكنه واجه حملات أشوربانيبال (ابن اسرحدون) الذي طرده نهائيًا. انتهت سيطرة الأسرة الـ25 على مصر، وبدأت الأسرة الـ26 (السايتية) مع حكام محليين تحت النفوذ الآشوري أولاً.
مسلة النصر لاسرحدون: وصف فني وأيقوني
المسلة مصنوعة من الدوليريت (صخر صلب)، ارتفاعها حوالي 3.46 متر، اكتشفت عام 1888 في بوابة مدينة سامآل (زنكيرلي). تعرض في متحف بيرغامون ببرلين.
النحت الرئيسي:
- اسرحدون واقف بقامة عملاقة مهيبة (رمز للعظمة).
- يده اليمنى مرفوعة أمام رموز الآلهة الآشورية (قمر، شمس، نجوم...).
- يده اليسرى تمسك هراوة ملكية (رمز السلطة) وحبلين يمرّان من خلال حلقات في شفاه (أو أنوف) أسيرين راكعين:
- الأسير الأصغر (راكع، ملامح أفريقية/كوشية): غالبًا أوشانهورو ابن طهارقا، أو في بعض الآراء طهارقا نفسه.
- الأسير الأكبر (واقف): ملك سوري/فينيقي، ربما عبدي ملكوتي ملك صيدا أو بعل ملك صور.
رمز الحبل في الشفة يعني السيطرة التامة والإذلال. على الجوانب الجانبية: صور لابني اسرحدون (أشوربانيبال وشماش-شوم-أوكين).
نص المسلة (ترجمة موسعة للأجزاء الرئيسية)
النص بالأكادية (مسمارية)، مبني على إصدار RINAP 4:
«أنا اسرحدون، الملك العظيم، الملك القوي، ملك الكون، ملك آشور، ملك ملوك مصر السفلى والعليا وكوش... الذي يكبح المتكبرين... أما طارقو (طهارقا)، ملك مصر وكوش، الذي لعنته عظمة الآلهة، فمن إشحوبري إلى ممفيس مدينته الملكية... ألحقت به هزائم قاسية يوميًا دون انقطاع، وأصبتُه بخمس جروح سهم لا شفاء منها. مدينة ممفيس... حاصرتها وفتحتها في نصف يوم بالأنفاق والثغرات والسلالم. هدمتها، أحرقتها بالنار. زوجته وحريمه وأوشانهورو ولي عهده وباقي أولاده وبناته، وممتلكاته، خيوله، بقره، أغنامه... نهبتها وأخذتها إلى آشور. اقتلعت جذور كوش من مصر. لم أترك أحدًا يمدح مجدي هناك. عيّنت ملوكًا وحكامًا وقادة على مصر كلها، وفرضت الجزية السنوية...»
يبدأ النص بمدح الآلهة (آشور، أنو، إنليل، شمش، مردوخ، عشتار...)، ثم ألقاب اسرحدون وأعماله، وينتهي بلعنات على من يمسح النصب.
التداعيات والإرث
رغم الهزيمة، بقي طهارقا رمز مقاومة في التاريخ النوبي والمصري. حاول مرات أخرى استعادة السلطة قبل وفاته. حكم الآشوريون مصر فترة قصيرة (مع تعيين حكام محليين مثل نيخو الأول)، ثم استعادت مصر استقلالها.
المسلة نموذج للدعاية الآشورية: تضخيم الملك، إذلال الأعداء، وتسجيل "الحقيقة" من منظور المنتصر. تعتبر دليلاً أثريًا مباشرًا نادرًا على غزو مصر.
الخاتمة
قصة طهارقا واسرحدون تُجسّد صراع الحضارات في العالم القديم: إمبراطورية نوبية-مصرية طموحة تواجه آلة حرب آشورية لا ترحم. المسلة ليست مجرد حجر، بل شاهد حي على انتصار عسكري وهزيمة إنسانية، وتذكير بأن التاريخ يكتبه المنتصرون... لكنه يحفظ أسماء الجميع.