قطز وشجر الدر: قصة تأسيس الدولة المملوكية وانتصار عين جالوت

قطز وشجر الدر: قصة تأسيس الدولة المملوكية وانتصار عين جالوت

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

قطز وشجر الدر: قصة تأسيس الدولة المملوكية وانتصار عين جالوت

image about قطز وشجر الدر: قصة تأسيس الدولة المملوكية وانتصار عين جالوت
image about قطز وشجر الدر: قصة تأسيس الدولة المملوكية وانتصار عين جالوت

 عصر التحولات الكبرى في مصر

في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي (القرن السابع الهجري)، شهدت مصر والعالم الإسلامي واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا وتأثيرًا في التاريخ. سقطت الخلافة العباسية في بغداد على يد المغول عام 1258م، وسقطت معظم بلاد الشام والعراق تحت سيطرتهم. في هذا الظرف الحرج، برزت شخصيتان تاريخيتان لعبتا دورًا محوريًا في تأسيس الدولة المملوكية وإنقاذ ما تبقى من العالم الإسلامي: شجر الدر وسيف الدين قطز.

شجر الدر، الجارية التي أصبحت سلطانة، و قطز، المملوك الذي أصبح بطلًا قاهرًا للمغول. ترتبط قصتهما ارتباطًا وثيقًا ببداية عصر المماليك البحرية في مصر.

شجر الدر: من جارية إلى سلطانة

ولدت شجر الدر (أو شجرة الدر، معناها "شجرة اللؤلؤ") أرمينية الأصل، واشتراها السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب. سرعان ما أصبحت المفضلة لديه، فأعتقها وتزوجها، وأنجبت له ابنه خليل (الملقب بالمنصور). حظيت بثقة زوجها الكبيرة، حتى إنه كان يترك لها توقيعه وختمه لتدير شؤون الدولة أثناء غيابه.

برز دورها السياسي والعسكري بوضوح أثناء الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع (الملك الفرنسي). توفي الصالح أيوب أثناء الحملة عام 1249م، فأخفت شجر الدر خبر وفاته مؤقتًا، وأمرت الجيش باسم زوجها، وساهمت في تنظيم الدفاع عن المنصورة. ساهمت خططها مع قادة المماليك (مثل بيبرس وأقطاي) في إلحاق هزيمة ساحقة بالصليبيين.

بعد مقتل ابن زوجها توران شاه على يد المماليك (بسبب خلافاته معهم)، تولت شجر الدر الحكم عام 1250م لمدة حوالي 80 يومًا. كانت أول امرأة تحكم دولة إسلامية في العصر الوسيط بهذا الشكل الرسمي. سُكت النقود باسمها، وخُطب لها على المنابر، وأُطلق عليها لقب "أم خليل".

لكن الرفض جاء سريعًا، خاصة من الخليفة العباسي المستعصم بالله في بغداد، الذي أرسل رسالة شهيرة: "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسيّر إليكم رجلاً". اضطرت شجر الدر إلى التنازل عن الحكم لقائد المماليك عز الدين أيبك، ثم تزوجته لتعزيز التحالف.

الصراع مع أيبك وقطز: بداية الدولة المملوكية

أصبح عز الدين أيبك أول سلاطين المماليك رسميًا. كان قطز (اسمه الحقيقي محمود بن ممدود) من المماليك المعزية (أتباع أيبك)، وأصبح قائدًا بارزًا وساعده الأيمن. ولد قطز حوالي 1221م في أسرة خوارزمية نبيلة، أُسر من قبل المغول وبيع كمملوك، واشتهر بشجاعته (لقبه "قطز" يعني "الكلب الشرس" بالمغولية).

دبت الخلافات بين أيبك وشجر الدر. أراد أيبك الزواج من ابنة حاكم الموصل لتعزيز نفوذه، فغضبت شجر الدر ودبرت اغتياله عام 1257م أثناء استحمامه.

بعد مقتل أيبك، تولى ابنه الصغير نور الدين علي الحكم، وكان قطز الوصي الفعلي. شاركت شجر الدر في صراعات داخلية، فألقي القبض عليها وسُلمت إلى زوجة أيبك الأولى، التي أمرت جواريها بضربها بالقباقيب حتى الموت. بهذا انتهت حياة شجر الدر عام 1257م، لكنها مهدت الطريق لعصر المماليك.

صعود قطز إلى السلطنة

في 1259م، خلع قطز السلطان الطفل علي بن أيبك وتولى الحكم بلقب الملك المظفر. كان الوضع كارثيًا: المغول يتقدمون بعد سقوط بغداد، والدولة تعاني من أزمات اقتصادية وفتن داخلية.

اتخذ قطز قرارات حاسمة:

  • أصدر عفوًا عامًا عن المماليك البحرية الهاربين (مثل بيبرس).
  • جمع الضرائب بفتوى من العالم العز بن عبد السلام.
  • قتل رسل هولاكو وعلق جثثهم على أبواب القاهرة، معلنًا رفض الاستسلام.

معركة عين جالوت: ذروة إنجاز قطز (3 سبتمبر 1260م)

image about قطز وشجر الدر: قصة تأسيس الدولة المملوكية وانتصار عين جالوت

كانت معركة عين جالوت (في فلسطين، بين بيسان ونابلس) نقطة تحول تاريخية. قاد قطز جيش المماليك (حوالي 20 ألف مقاتل)، بينما قاد كتبغا الجيش المغولي.

استخدم قطز خطة عبقرية: وضع مقدمة الجيش بقيادة بيبرس كطعم، وأخفى القوات الرئيسية خلف التلال. انسحب بيبرس تكتيكيًا ليجذب المغول إلى السهل، ثم هاجم قطز بقواته الرئيسية صارخًا: "وا إسلاماه!". قُتل كتبغا، وانهزم المغول هزيمة ساحقة. كانت أول هزيمة كبرى للمغول في تاريخهم.

لاحق قطز فلول المغول وحرر الشام، مما أنقذ مصر والعالم الإسلامي من الغزو.

مقتل قطز وإرثه

بعد خمسين يومًا فقط من النصر، اغتيل قطز عام 1260م في منطقة الصالحية أثناء صيد، على يد مؤامرة قادها بيبرس وآخرون. دفن أولاً في القصير ثم نقل إلى القاهرة. تولى بيبرس الحكم بعده وأكمل بناء الدولة المملوكية.

الإرث المشترك

رغم الصراعات بينهما (غير المباشرة)، مهدت شجر الدر الطريق سياسيًا، وقطز حسمه عسكريًا. أسسا معًا دولة المماليك التي حكمت مصر والشام لأكثر من 250 عامًا، صدت الصليبيين والمغول، وحافظت على الإسلام في المنطقة.

شجر الدر رمز للذكاء السياسي والشجاعة النسائية النادرة. وقطز رمز للإيمان والشجاعة والتضحية، "السلطان الذي أنقذ الإسلام".

يظلان شاهدين على أن التاريخ يصنعه الأفراد في أصعب الظروف، وأن مصر كانت دائمًا مهد الحضارات والمقاومة.

المصادر التاريخية الأولية (القديمة):

  • السلوك لمعرفة دول الملوك — المقريزي (أهم مصدر لتاريخ المماليك).
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة — ابن تغري بردي.
  • بدائع الزهور في وقائع الدهور — ابن إياس.
  • البداية والنهاية — ابن كثير.
  • تاريخ الخلفاء — السيوطي.
  • الوافي بالوفيات — الصفدي.
  • كتابات ابن واصل (مؤرخ معاصر للأحداث).

كتب حديثة متخصصة:

  • السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت — د. علي محمد الصلابي.
  • شجرة الدر: السلطانة الحكيمة — دراسات مختلفة.
  • قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام — أحمد مختار العبادي.
  • مصر قاهرة المغول — محمد فتحي الشاعر.
  • Tree of Pearls: The Extraordinary Patronage of Shajar al-Durr — D. Fairchild Ruggles (بالإنجليزية).

مصادر إضافية موثوقة:

  • ويكيبيديا العربية (صفحات سيف الدين قطز، شجر الدر، معركة عين جالوت) كمرجع عام.
  • دراسات من IslamOnline ومواقع تاريخية متخصصة.
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

458

متابعهم

237

متابعهم

388

مقالات مشابة
-