ظلال الكتب المحروقة: كم حضارة ضاعت لأن أحدهم أطفأ القنديل؟

ظلال الكتب المحروقة: كم حضارة ضاعت لأن أحدهم أطفأ القنديل؟
عندما نتحدث عن الفقد، لا يوجد فقد في تاريخ البشرية أعمق ولا أشد فداحة من فقدان ذاكرة الجنس البشري الجماعية. مكتبة الإسكندرية لم تكن مجرد مبنى معماري جميل يحوي لفافات من ورق البردي، بل كانت بمثابة القرص الصلب الخارجي للبشرية جمعاء، كانت تحوي عصارة الفكر الإنساني منذ فجر التاريخ وحتى تلك اللحظة. تخيّل معي الصدمة: أن يمحى كل ما توصل إليه العلم والفلسفة والأدب في حضارات بأكملها بين ليلة وضحاها. هذا بالضبط ما حدث. بعض المؤرخين يقدّرون أن الحضارة
الإنسانية تأخرت ما بين خمسمائة إلى ألف عام بسبب هذا الحريق المأساوي، ليس لأن المعرفة اختفت فقط من على الورق، بل لأن "الثقة" في إمكانية تراكم المعرفة وحفظها اختفت من قلوب الناس. الخوف من أن يضيع الجهد مرة أخرى يجعل الإنسان يعزف عن الإبداع.
لكن المأساة الكبرى أن حرق الكتب لم يتوقف أبدًا عبر التاريخ، لقد تغير شكله وأدواته فقط. في عصرنا الحالي، لا تُحرق الكتب بالمشاعل والنار، بل تُحرق بالضجيج الرقمي الهائل. كم من معلومة قيمة وعميقة دُفنت اليوم تحت ركام مليارات المنشورات
التافهة على وسائل التواصل الاجتماعي؟ كم من كتاب عظيم ومهم لم يُقرأ ولم يُكتشف حتى، لأن الخوارزميات التافهة فضّلت عرض فيديو قصيرًا سخيفًا على القارئ المسكين؟ نحن نعيش في عصر المكتبة الرقمية الكونية التي تحوي كل كتب العالم، لكن الغبار الرقمي الكثيف يحجب رؤيتنا تمامًا.
التضليل الإعلامي المنظم، وحروب المعلومات، والخوارزميات التي صُممت عمدًا لتدمغنا بدل أن تثقفنا، كل هذه هي نار العصر الحديث التي تحرق المعرفة دون أن نرى دخانًا. الفرق الجوهري بين الماضي والحاضر أن الجهل قديمًا كان غالبًا ناتجًا عن غياب المعلومة، أما اليوم فالجهل ناتج عن وفرتها المفرطة والمشوشة التي لا يستطيع العقل فرزها. لإنقاذ ما تبقى من وعينا،
ولإنقاذ حضارتنا من حرق جديد لا نراه، يجب أن نتعلم بشكل عاجل ما أسميه "فن الانتباه". يجب أن نتعلم كيف نختار بعناية فائقة أي قنديل نحمله في زحام الظلام الرقمي الكثيف، قبل أن نستيقظ ذات يوم ونجد أن كل القناديل قد انطفأت دون أن ندري.
تأمل معي هذه المفارقة التاريخية المذهلة: أسلافنا كانوا يخاطرون بحياتهم لتهريب الكتب عبر الحدود، يخفون المخطوطات في الجدران والكهوف، يقطعون الصحاري والمحيطات ليحصلوا على معرفة جديدة. كان الكتاب الواحد كنزًا يُورث جيلاً بعد جيل، وكانت المكتبات معابد للعلم يُحج إليها من كل مكان. واليوم، مع وجود مكتبة رقمية في جيب كل إنسان تحوي ملايين الكتب مجانًا، نختار
أن نضيع ساعاتنا في محتوى تافه لا يغني ولا يسمن من جوع. المشكلة إذن ليست في توفر المعرفة، بل في إرادة البحث عنها،
وفي قدرتنا على مقاومة إغراء التفاهة. ربما نحتاج اليوم إلى نوع جديد من الشجاعة، شجاعة الانتباه والتركيز في عالم صُمم لسرقة انتباهنا وتفتيته. هذه الشجاعة هي ما ستميز بين من يصنعون التاريخ ومن يستهلكونه.