سعد زغلول: الرجل الذي قالت له بريطانيا "لا" فانتفضت مصر بأكملها

سعد زغلول: الرجل الذي قالت له بريطانيا "لا" فانتفضت مصر بأكملها

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

سعد زغلول: الرجل الذي قالت له بريطانيا "لا" فانتفضت مصر بأكملها

image about سعد زغلول: الرجل الذي قالت له بريطانيا

النبذة المختصرة
طلب وفد مصري بسيط الإذن بالسفر للدفاع عن استقلال بلادهم في مؤتمر باريس، فرفضت بريطانيا ونفت قادته، فانفجرت مصر كلها في أول ثورة شعبية شاملة تجمع الرجال والنساء والمسلمين والمسيحيين تحت راية واحدة: الاستقلال التام.

نهاية حرب عالمية تُشعل آمالاً مؤجلة

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، انتشرت في أنحاء العالم موجة أمل واسعة بعصر جديد من تقرير المصير للشعوب، خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون مبادئه الأربعة عشر الشهيرة التي تضمنت مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، وهي فكرة ألهبت آمالاً حقيقية لدى النخب السياسية المصرية التي عانت لعقود طويلة تحت الحماية البريطانية المفروضة رسمياً منذ عام 1914. في هذا الجو المفعم بالتفاؤل الدولي، تشكل وفد مصري بقيادة السياسي المخضرم سعد زغلول، الذي كان قد شغل سابقاً مناصب وزارية متعددة واكتسب سمعة وطنية محترمة كمدافع عن حقوق المصريين، بهدف السفر إلى مؤتمر السلام في باريس لعرض قضية استقلال مصر مباشرة أمام القوى العالمية المجتمعة هناك.

رفض بريطاني يشعل غضباً وطنياً عارماً

توجه سعد زغلول ورفاقه في نوفمبر عام 1918 إلى المعتمد البريطاني في القاهرة طالبين إذناً رسمياً للسفر إلى باريس لعرض مطالب مصر الاستقلالية أمام مؤتمر السلام الدولي، لكن السلطات البريطانية رفضت هذا الطلب بشكل قاطع، معتبرة الأمر شأناً داخلياً بريطانياً بحتاً لا يستدعي تدخلاً دولياً من أي نوع. أثار هذا الرفض القاطع غضباً شعبياً ونخبوياً واسعاً، إذ رأى فيه المصريون تجاهلاً صريحاً لحقهم المشروع في تقرير مصيرهم، خاصة بعد التضحيات الجسيمة التي قدمتها مصر خلال الحرب العالمية نفسها، من تسخير الفلاحين للعمل في فيلق العمل البريطاني ومصادرة المحاصيل والماشية لصالح المجهود الحربي البريطاني دون تعويض عادل يُذكر، مما راكم استياءً شعبياً عميقاً كان ينتظر شرارة الانفجار.

نفي زغلول يشعل ثورة شاملة غير مسبوقة

في مارس عام 1919، وبعد استمرار المطالبة الشعبية المتصاعدة بالسماح للوفد المصري بالسفر، اتخذت السلطات البريطانية قراراً حاسماً بنفي سعد زغلول ورفاقه الثلاثة إلى جزيرة مالطا البعيدة، في محاولة لقمع الحركة الوطنية المتنامية عبر إبعاد قادتها الرئيسيين. لكن هذا القرار أنتج نتيجة عكسية تماماً لما توقعته السلطات البريطانية، إذ انفجرت مصر بأكملها في ثورة شعبية عارمة وشاملة خلال أيام قليلة فقط، شملت مظاهرات ضخمة في القاهرة والإسكندرية وامتدت إلى المدن والقرى الريفية في أنحاء البلاد كافة، بمشاركة طلاب وعمال وموظفين وفلاحين ومهنيين من مختلف الطبقات الاجتماعية والخلفيات الدينية، في أول حركة احتجاجية شعبية بهذا الاتساع والشمولية في تاريخ مصر الحديث بأكمله.

المرأة المصرية تخرج للمرة الأولى إلى الشارع السياسي

من أبرز الظواهر الاستثنائية وغير المسبوقة في ثورة 1919 كانت مشاركة المرأة المصرية الفعالة والمباشرة في المظاهرات والاحتجاجات الشعبية، بقيادة رائدات نسويات بارزات مثل هدى شعراوي وصفية زغلول، زوجة سعد زغلول نفسها، اللواتي نظمن مسيرات نسائية منفصلة احتجاجاً على الاحتلال البريطاني، رافعات لافتات ومطالبات صريحة بالاستقلال الوطني الكامل. كان هذا الحضور النسائي القوي والمنظم في الفضاء السياسي العام تطوراً اجتماعياً جذرياً غير مسبوق في مصر المحافظة تقليدياً، مهّد الطريق لاحقاً لحركة تحرر نسوي مصري أوسع نطاقاً خلال العقود التالية، وأصبح رمزاً دائماً لثورة 1919 كحركة وطنية شاملة تجاوزت الانقسامات التقليدية بين الجنسين والطبقات الاجتماعية المختلفة.

هلال وصليب يتحدان تحت راية وطنية واحدة

من أكثر الرموز تأثيراً وديمومة في الذاكرة الوطنية المصرية من ثورة 1919 كان التآخي الديني الواضح والمعلن بين المسلمين والمسيحيين الأقباط، الذين شاركوا معاً بكثافة في المظاهرات والاحتجاجات، ووقف رجال الدين من الجانبين، الشيوخ والقساوسة على حد سواء، جنباً إلى جنب في المسيرات الشعبية، رافعين شعار "الهلال مع الصليب" الشهير الذي أصبح رمزاً خالداً للوحدة الوطنية المصرية المتجاوزة للانقسامات الدينية الطائفية. عكس هذا التضامن الديني العميق والصادق رؤية وطنية جامعة رفضت بوضوح المحاولات الاستعمارية البريطانية المتكررة لاستغلال الانقسامات الطائفية المحتملة كأداة سياسية لإضعاف الوحدة الوطنية المصرية المتنامية، مؤكدة بدلاً من ذلك على هوية وطنية مصرية جامعة تتجاوز الفروقات الدينية التقليدية.

استقلال منقوص لكنه بداية طريق طويل

تحت ضغط الثورة الشعبية المستمرة والمتصاعدة، اضطرت بريطانيا في النهاية للإفراج عن سعد زغلول والسماح له بالسفر لعرض قضيته، لكن دون تحقيق نتيجة دبلوماسية حاسمة في مؤتمر باريس نفسه الذي تجاهل عملياً المطالب المصرية لصالح اعتبارات استراتيجية أوروبية أخرى أكثر إلحاحاً بالنسبة للقوى الكبرى المجتمعة هناك. استمرت الاضطرابات والمفاوضات المتقطعة لسنوات إضافية، حتى أصدرت بريطانيا أخيراً عام 1922 تصريحاً أحادي الجانب بإنهاء الحماية البريطانية الرسمية ومنح مصر استقلالاً منقوصاً وشكلياً إلى حد كبير، احتفظت بموجبه بريطانيا بأربعة تحفظات جوهرية تمس صميم السيادة المصرية الحقيقية، من أمن قناة السويس إلى الدفاع عن مصر ضد أي اعتداء خارجي مباشر، وحماية الأقليات والمصالح الأجنبية، وشؤون السودان المشترك، مما جعل هذا الاستقلال المعلن أقرب لخطوة أولى رمزية أكثر منه تحرراً كاملاً وحقيقياً من الهيمنة البريطانية المستمرة فعلياً.

إرث ثورة تلهم أجيالاً متعاقبة

رغم النتائج الدبلوماسية المحدودة نسبياً التي حققتها ثورة 1919 مباشرة، إلا أن أثرها العميق والدائم في الوعي الوطني المصري تجاوز بكثير حدود مكاسبها السياسية الفورية المباشرة، إذ أسست لتقليد نضالي شعبي جديد يعتمد على التعبئة الجماهيرية الواسعة والوحدة الوطنية الشاملة كأداة ضغط فعالة ضد الهيمنة الأجنبية، وأصبح سعد زغلول نفسه رمزاً وطنياً خالداً يُلقب حتى اليوم بـ"أبو المصريين"، مؤسساً لاحقاً حزب الوفد الذي سيهيمن على الحياة السياسية المصرية لعقود طويلة قادمة. مهدت هذه الثورة الطريق مباشرة لمسيرة نضالية طويلة ومعقدة استمرت عبر العقود التالية، من صراعات دستورية متكررة مع القصر الملكي والاحتلال البريطاني معاً، وصولاً أخيراً إلى ثورة يوليو 1952 التي ستضع حداً نهائياً وحاسماً لكل من الحكم الملكي والوجود العسكري البريطاني المباشر في مصر إلى الأبد.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت Pro تقييم 4.97 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

614

متابعهم

772

متابعهم

3681

مقالات مشابة
-