سلسلة: التاريخ مليء بالأكاذيب ،   الحلقة الثانية: نيرون لم يُحرق روما

سلسلة: التاريخ مليء بالأكاذيب ، الحلقة الثانية: نيرون لم يُحرق روما

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

سلسلة: التاريخ مليء بالأكاذيب ،

 الحلقة الثانية: نيرون لم يُحرق روما

 

image about سلسلة: التاريخ مليء بالأكاذيب ،   الحلقة الثانية: نيرون لم يُحرق روما

 

⬛ مقدمة السلسلة ⬛
قيل قديماً: "التاريخ يكتبه المنتصرون". لكن الأدق من ذلك أن التاريخ يكتبه مَن يمسكون بالقلم، ويُعيد كتابته مَن يمسكون بالسلطة. هذه السلسلة ليست دعوة إلى العدمية أو إنكار كل ما مضى، بل هي دعوة إلى التفكير النقدي، وإعادة قراءة ما اعتقدنا أنه حقيقة راسخة. في كل حلقة سنكشف أكذوبة تاريخية ظلت تُدرَّس في المدارس وتُروى في الكتب، وسنضع أمامك الدليل والسؤال معاً.

*الصورة التي رسمها التاريخ


حين تُذكر روما القديمة، يتبادر إلى الذهن مشهدٌ درامي شهير: الإمبراطور نيرون جالسٌ على تلٍّ مرتفع، يعزف على القيثارة بسعادة مجنون، بينما تشتعل روما من تحته في بحر من اللهب. هذه الصورة رسخت في ثقافتنا الجماعية حتى أصبحت مرادفةً للقسوة والجنون والاستبداد. بل إن اسم نيرون ذاته تحوّل إلى مصطلح يُستخدم للإشارة إلى أي حاكم ظالم يُدمّر شعبه ويبتهج بمعاناته. لكن هل هذه الصورة حقيقية؟ هل اشتعلت روما بأمر من نيرون أو بتواطئه؟ وهل كان يعزف فعلاً بينما تحترق؟ الإجابة عند المؤرخين المحايدين صادمة: لا دليل واحد موثوق يُثبت أن نيرون أحرق روما، وأغلب ما وصلنا عنه كُتب من قِبَل أعدائه السياسيين وخصومه الأيديولوجيين.


*ما الذي حدث فعلاً في عام 64 ميلادي؟


في الثامة عشر من يوليو عام 64 ميلادي، اندلع حريقٌ ضخم في روما بدأ من منطقة السيرك الأكبر، وهي منطقة مكتظة بالمتاجر والمستودعات المليئة بالمواد القابلة للاشتعال. امتدّ الحريق لستة أيام متواصلة قبل أن يُسيطر عليه جزئياً، ثم اشتعل مجدداً لثلاثة أيام أخرى. أتى على عشرة من أصل أربعة عشر حياً رومانياً. كانت الكارثة هائلة بكل المقاييس، وكان طبيعياً أن يبحث الرومان عمن يُحمّلونه المسؤولية. لكن أين كان نيرون حين اندلع الحريق؟ المصادر التاريخية تُجمع على أنه كان في مدينة أنتيوم على بعد نحو خمسة وخمسين كيلومتراً من روما. وحين علم بالخبر، عاد إلى العاصمة فوراً وأشرف شخصياً على عمليات الإنقاذ، وفتح قصوره وحدائقه لإيواء المشرّدين، وأمر بتوزيع الطعام على المتضرّرين. لا يبدو هذا تصرّف من أمر بالحريق أو يبتهج به.


من أين جاءت التهمة؟


المصدر الرئيسي لاتهام نيرون بإحراق روما هو المؤرخ الروماني تاسيتوس الذي كتب عن الحريق بعد نحو خمسين عاماً من وقوعه. تاسيتوس نفسه لم يجزم باتهامه لنيرون، بل قال إن "بعض الناس" يُرجّح أن نيرون أشعل النار. مؤرخون رومانيون آخرون مثل سيتونيوس وكاسيوس ديو كتبوا اتهاماتٍ أشد وضوحاً، لكنهم كتبوا بعد وفاة نيرون بعقود وكانوا مقرّبين من الأسر الإمبراطورية المنافسة التي خلفت نيرون على الحكم. ببساطة، الرجال الذين كتبوا عن نيرون كانوا إما أعداءه السياسيين أو كاتبين في كنف من لهم مصلحة في تشويه صورته. وقصة العزف على القيثارة تحديداً لا أساس لها من الصحة حتى عند هؤلاء المؤرخين المعادين له، ويبدو أنها دخلت الثقافة الشعبية لاحقاً كاستعارة ساخرة وتحوّلت إلى وقائع.


نيرون ومن أحرق روما فعلاً


المثير للجدل أن نيرون نفسه اتّهم المسيحيين الأوائل بإشعال الحريق وشنّ عليهم حملة اضطهاد شرسة. هذه الحادثة هي أول اضطهاد موثّق للمسيحيين في روما، وسقط فيها عددٌ كبير من الضحايا يُعدّهم المسيحيون شهداء. وقد أسهم ذلك لاحقاً حين أصبح الإمبراطور قسطنطين المسيحيةَ ديناً رسمياً للإمبراطورية في أن يُصبح نيرون رمزاً للشيطان في الكتابة المسيحية اللاحقة. وبعض الباحثين يرون أن رقم الوحش 666 الوارد في سفر الرؤيا لا يزال محلّ نقاش، لكن بعض تفسيراته التاريخية تشير إلى نيرون بالتحديد. حين يتراكم العداء السياسي مع العداء الديني، تُصنع أسوأ أنواع السمعة التاريخية.


ماذا كان نيرون فعلاً؟


لا يعني هذا كله أن نيرون كان قديساً أو حاكماً عادلاً بالمعنى الحديث للكلمة. كان إمبراطوراً رومانياً في القرن الأول الميلادي، وهذا وحده يعني أنه كان يتصرف بالمعايير القاسية التي تحكم عالم السياسة الرومانية. أعدم منافسيه، وقتل والدته أغريبينا في حادثة شهيرة، وتخلّص من زوجته الأولى. لكن في المقابل، كان له جانبٌ آخر لا يُذكر كثيراً: كان مولعاً بالفنون وشارك شخصياً في المسابقات الشعرية والموسيقية، وبنى بعد الحريق مدينةً أكثر تنظيماً من سابقتها بشوارع أوسع وأبنية من الحجر بدلاً من الخشب، وحكم فترةً أولى يصفها المؤرخون بالإيجابية قبل أن تسوء الأمور في نهاية حكمه. التاريخ الذي وصلنا عنه انتقى الجانب الأسوأ وضخّمه، وأهمل الجوانب الأخرى أو حذفها كلياً.


الدرس الأكبر: من يكتب التاريخ يملك الحقيقة


قصة نيرون هي درسٌ بليغ في كيفية صناعة الصورة التاريخية. لم يكن نيرون محبوباً من الأرستقراطية الرومانية لأنه قيّد نفوذها وفرض ضرائب على الأثرياء لإعادة بناء روما. ولم يكن محبوباً من المسيحيين لأسباب واضحة. ولم يكن محبوباً من خلفائه في الحكم لأن وجوده البطولي كان يُقلّص من أهمية صعودهم. حين يجتمع هؤلاء جميعاً ضد رجل واحد، وكل منهم يملك قلماً وسلطةً وجمهوراً، تُولد الأكاذيب التاريخية أكثر متانةً وأطول عمراً من أي حقيقة. ونحن الذين نقرأ هذا التاريخ اليوم نحتاج أن نتذكر دائماً: من كتب هذا؟ ولماذا كتبه؟ ولمن كان يكتب؟

مع تحياتي:

image about سلسلة: التاريخ مليء بالأكاذيب ،   الحلقة الثانية: نيرون لم يُحرق روما
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمود ثابت تقييم 4.94 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

106

متابعهم

405

متابعهم

2800

مقالات مشابة
-