قصة سرقة الحجر الأسود على يد القرامطة
عندما اهتزت مكة: قصة سرقة الحجر الأسود على يد القرامطة
في فجر يومٍ من أيام شهر يناير عام 930 ميلادية (الموافق 317 هجرية)، اهتزت أرجاء مكة المكرمة على وقع صيحات رعب لم تشهدها من قبل. لم يكن الأمر مجرد غزو عابر، بل كانت ضربة موجعة للضمير الإسلامي، حين اقتحم جيش من القرامطة المسجد الحرام، وسفكوا الدماء فيه، وانتهكوا حرمته، ثم ارتكبوا ما لا يمكن تصوره: انتزاع الحجر الأسود من مكانه في الكعبة، وحمله بعيداً عن مهبط الوحي.
لكن من هم القرامطة؟ ولماذا أقدموا على هذه الجريمة النكراء التي هزت أركان العالم الإسلامي آنذاك؟
جذور الفتنة: نشأة القرامطة
لم يكن القرامطة مجرد عصابات مارقة، بل كانت دولة منظمة ذات عقيدة باطنية، انبثقت من رحم الحركة الإسماعيلية في أواخر القرن الثالث الهجري. أسسها رجل يدعى حمدان بن الأشعث، الملقب بـ"قرمط"، والذي استطاع أن يجمع حوله فلاحين وبدوًا من سواد العراق، متخذًا من شعارات العدالة الاجتماعية والمساواة غطاءً لدعوته الهدامة.
ما يميز القرامطة هو عقيدتهم المتطرفة التي رفضت الشعائر الإسلامية التقليدية، واستباحت الدماء، وأعلنت أن الحج إلى مكة هو عبادة وثنية، وأن الكعبة ليست إلا حجراً لا يضر ولا ينفع. هذه الأفكار الإلحادية هي التي أوقدت في نفوسهم الرغبة في توجيه ضربة رمزية للخلافة العباسية وللمشاعر الدينية لدى السنة والشيعة على السواء.
الهجوم على مكة: يوم لا يُنسى
في ذلك اليوم المشؤوم، قاد زعيم القرامطة في البحرين، أبو طاهر الجنابي، جيشاً قوامه نحو 800 فارس، فتسللوا إلى مكة في وقت الفجر، بينما كان الحجاج يؤدون مناسكهم في سكينة وطمأنينة. فوجئ الحجاج بهجوم عنيف، حيث لم يكتف القرامطة بقتل المصلين، بل تعدى الأمر إلى إلقاء جثث القتلى في بئر زمزم، وتلويث ماءها بالدماء، في مشهد أرعب الحضور.
بعد ذلك، توجه أبو طاهر الجنابي نحو الكعبة، وصرخ بعبارته الشهيرة التي كشفت عن حقيقة عقيدته: "أنا بالله، وبالله أنا، هو يخلق الخلق وأفناهم". ثم أمر رجاله بتكسير ميزاب الكعبة، وتسلقوا جدرانها، وانتزعوا الحجر الأسود من مكانه بكل وحشية، وكسروه إلى عدة أجزاء.
ولم يكتفِ الجنابي بهذا، بل حمل الحجر الأسود معه إلى بلاده في الأحساء (شرق الجزيرة العربية)، حيث أمر بتعليقه في مسجدهم الجامع، ليصبح قبلةً للقرامطة بدلاً من الكعبة. ولكن الغريب أن هذه القبلة الجديدة لم يحج إليها أحد، لأن القرامطة أنفسهم كانوا متصارعين ومختلفين.
لماذا فعلوها؟ أبعاد سياسية وعقائدية
لا يمكن تفسير هذه الحادثة بمنطق الجنون فقط؛ بل كانت تحمل أبعاداً سياسية عميقة. فالقرامطة كانوا يريدون إحراج الخلافة العباسية التي كانت تزعم أنها حامية الحرمين، وكانوا يهدفون إلى ضرب مكانة الدولة العباسية الدينية وإظهار عجزها عن حماية المقدسات. كما أنهم أرادوا قطع طريق الحج، الذي كان مصدر دخل كبير للقبائل العربية التي كانت تؤمن قوافل الحجيج، وبالتالي إضعاف الاقتصاد المرتبط بالموسم الديني.
رد فعل العالم الإسلامي: صدمة لا تلتئم
عندما وصل خبر سرقة الحجر الأسود إلى بغداد وغيرها من العواصم الإسلامية، عمت الفوضى والعويل. وصف المؤرخون المشهد بأنه "يوم بكى فيه أهل الإسلام حتى النساء والصبيان". وقف الخلفاء والأمراء عاجزين عن فعل شيء، واكتفوا بإرسال رسائل التهديد والوعيد.
ظل الحجر الأسود مفقوداً لمدة طويلة، يعتقد البعض أنها دامت 22 عاماً تقريباً، عانى خلالها المسلمون من شعور بالغضب والحسرة. وفي عام 339 هـ، وبعد مفاوضات شاقة، ودفع فدية مالية ضخمة، أعيد الحجر الأسود إلى مكة، ولكن في مشهد محزن آخر، إذ تبين أن القرمطي الذي أعاده قد كسره إلى سبع قطع، وأخفى بعضها.
تم ترميم الحجر بواسطة الفضة، وهو الشكل الذي نراه عليه حتى اليوم، حيث يحيط به الإطار الفضي الذي يضم تلك القطع المكسورة، كذكرى أبدية على تلك المحنة التي مرت بها الأمة الإسلامية.
دروس من التاريخ
قصة سرقة الحجر الأسود ليست مجرد حكاية بطولية أو مأساوية، بل هي نموذج صارخ على كيف يمكن للأفكار المتطرفة أن تتخذ من الدين ستاراً لهدم الدين نفسه. لقد علمتنا هذه الحادثة أن الهوية الإسلامية ليست مرهونة بحجر، مهما كان مقدساً، بل هي مرهونة بالعقيدة والوحدة. كما أنها أظهرت هشاشة التحالفات السياسية عندما تسود المصالح الشخصية على حساب المقدسات المشتركة.
اليوم، حين يقف الحجاج أمام الكعبة ويلمسون ذلك الإطار الفضي، يتذكرون تلك القصة التي تروي قسوة البشر، ولكنهم يتذكرون أيضاً أن الحق يعود مهما طال الزمن، وأن الكعبة ستبقى قبلة للمسلمين ما دامت السماوات والأرض. لقد كان انتزاع الحجر الأسود محاولة يائسة لانتزاع الإيمان من القلوب، لكن القلوب ظلت عامرة، والكعبة شامخة، والحجر عاد إلى مكانه، وإن كان مجروحاً، ليظل شاهداً على تاريخ مليء بالعبر والعظات