متلازمة جويسا (الجزء التاني)

متلازمة جويسا (الجزء التاني)

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

🖋️ متلازمة جويسا

الفصل الثاني : “رجل لم يتحدث كثيرًا”

> لم أكره أبي،

لكنني لم أحبه أيضًا…

فقط، لم أستطع أن أفهمه.

 

---

الغرفة كانت مغلقة منذ وفاته.

لم أكن أجرؤ على فتحها… لا خوفًا منه، بل خوفًا مما قد أجد بعده.

كان رجلًا صامتًا.

يستيقظ قبل الجميع، يشرب قهوته بصمت، ويخرج دون وداع.

لم أره يضحك، ولم أره يبكي،

لكنني رأيته ليلة واحدة… يهمس بكلام لا أفهمه، ويمسح جبهتي كما لو كان يودّعني.

 

---

دفعت الباب ببطء، فصدر منه صوت خشبي مكسور، كأن الغرفة نفسها تئنّ من الغياب.

رائحة قديمة من العطر الرجالي الثقيل والغبار، كأن الزمن لم يتحرك هنا منذ سنوات.

المكتب الخشبي في الزاوية، خزانة ملابس نصف مفتوحة، وصورة قديمة له مع أمي وأنا طفلة... لكن رأسي في الصورة مموّه.

غريب.

اقتربتُ من الصورة أكثر.

وكأن شيئًا غامضًا قد مُسح منها.

أنا موجودة، لكن ليس بوضوح.

كأنني كنت ظلًا.

 

---

جلست على كرسيه الجلدي.

كان ثابتًا وثقيلاً… كما كان هو.

فتحت درج المكتب. أوراق قديمة، إيصالات، جواز سفر منتهي، وساعة يد لا تعمل.

لكن ما شدّني كان دفترًا جلديًا أسود، صغير الحجم، بلا عنوان.

فتحته.

كانت الصفحة الأولى مكتوبة بخطّ يده الواضح الجاف:

> "إذا وجدتِ هذا الدفتر، فاعلمي أن الوقت قد حان.

لن أفهمك، ولن تفهميني…

لكن هناك شيء فيكِ، ليلى،

شيء لم يكن من المفترض أن يولد."

 

يدي ارتجفت.

قلبي تسارع.

هل هذا أبي… أم رجل آخر؟

قلبت الصفحة.

> "كان يمكنني أن أخبرك،

لكني خفت.

لأن ما في داخلك… ليس فقط من هذه الأرض.

جويسا ليست مرضًا… بل برنامج.

وهم… برمجة…

أو لعنة، سميها ما شئتِ.

لقد بدأت التجربة قبلك، وانتهت بي.

أنتِ التالية."

 

---

سقط القلم من يدي.

هل أبي كان مريضًا؟ أم عالمًا؟ أم فقط… إنسانًا مهزومًا؟

نظرتُ إلى المرآة في الغرفة،

ورأيتني… لكنني لم أكن أنا.

كانت أنا أكبر قليلًا، بعينين واسعتين جدًا، ونظرة تعرف أكثر مما يجب.

اقتربتُ منها، فاقتربت.

ابتسمتُ، فظلّت صامتة.

ثم همست لي:

> “كل شيء بدأ قبلك، لكن سينتهي بك.”

---

سحبتُ الهاتف، اتصلت بالدكتور نادر.

كان عليّ أن أعود إليه فورًا،

لكن الهاتف ظلّ يرن… بلا إجابة.

خرجت من الغرفة، وعقلي يدور.

هل أنا استمرار لشيء لا أفهمه؟

هل كان أبي جزءًا من هذه "البرمجة"؟

وما معنى "ليس من هذه الأرض"؟

 

---

في الممر، سمعت خطوات خلفي.

استدرتُ بسرعة… لا أحد.

لكنني وجدت ورقة صغيرة على الأرض، كُتب فيها بخط جديد:

> “انتبهي… ما يُظهر نفسه لكِ الآن، لم يُظهر وجهه بعد.”

 

---

أنا أقترب من شيء.

لا أعلم إن كان الحقيقة… أو الجنون.

لكني لا أستطيع العودة.

غدًا… سأفتش في بيت قديم منسيّ في شبرا،

قالت لي أمي يومًا إنه ملك جدّي…

وجدّي اختفى قبل أن أولد.

---

 

 

 

العنوان كان مكتوبًا في دفتر أمي القديم:

“شبرا – شارع فوزي – رقم ١٤، الدور التاني.”

لم تذكر هذا المكان أبدًا، لا في أحاديثها، ولا في قصصها.

لكنها كتبت بجانب العنوان:

> “مكان البداية.”

 

---

الشارع ضيّق، مزدحم، تحيط به محلات قديمة برائحة الزمن.

صعدت الدرج المتآكل، حتى وصلت إلى الباب الخشبي البني.

طرقت.

لا إجابة.

حاولت أن أطرق ثانية… لكن الباب انفتح وحده، ببطء، كما لو كان ينتظرني منذ سنين.

دخلت.

رائحة عتيقة من الورق، البخور، والرطوبة القديمة.

البيت كان مظلمًا رغم ضوء الشمس في الخارج.

ناديت:

> “في حد هنا؟ أنا… ليلى. حفيدة الحاج إبراهيم عبد الدايم.”

 

الصمت.

لكن الهواء تغيّر.

كأن الجدران نفسها تسمعني.

---

مشيت في الصالة، صور قديمة على الحيطان، كلها لوجوه لا أعرفها… لكن ملامحهم فيها شيء مني.

عين… أو ابتسامة… أو نظرة خوف.

وفي آخر الصالة، باب مكسور… يؤدي إلى غرفة مغلقة بسلسلة صدئة.

وعلى الحائط بجانبه، مكتوب بجافّ باهت:

> “لا تفتحي… إلا حين تسمعين اسمك مرتين.”

 

---

كنت على وشك التراجع… لكن صوتًا خافتًا جاء من خلفي:

> “ليلى؟”

 

استدرت… لم يكن هناك أحد.

ثم ثانية، أقرب… همسة شبه مسموعة:

> “ليلى…”

 

هذه المرة، لم أكن خائفة.

كنت أعرف أنني وصلت للنقطة التي لا يمكن الرجوع بعدها.

فتحت السلسلة.

الباب صرخ خشبُه في وجهي، ثم انفتح.

---

الغرفة كانت أشبه بمتحف صغير.

دفاتر، أشرطة، كراسي مغطاة بالقماش الأبيض، وساعة حائط توقفت عند الساعة 3:03.

لكن ما جذبني كان صندوق خشبي صغير على المكتب.

فتحته.

في الداخل:

صورة لرجل يشبه أبي تمامًا… لكن مكتوب خلفها: “أخي: إسماعيل عبد الدايم – 1974”

وورقة صفراء مكتوب فيها بخط مهتز:

 

> "نحن ورثة التجربة.

الجيل الثالث من حاملي المتلازمة.

البداية كانت في السبعينات… تجربة حكومية سرية لتحفيز العقل الباطن.

خمس عائلات… خمسة أطفال…

كل واحد فيهم تم زرع 'جويسا' فيه.

التحكم.

العزل.

التخليق."

 

ثم بخط أحمر أسفل الورقة:

> "واحدة فقط… ستكسر الحلقة.

اسمها ليلى."

---

ارتعش جسدي.

أنا… كنت جزءًا من شيء لم أُختر لأكون فيه.

تجربة؟

زرع؟

تحكم في العقل؟

هل كل هذا حقيقي… أم مرحلة أعمق من التهيؤات؟

---

قبل أن أغادر، وجدت جهاز تسجيل صوت قديم.

شغلته.

جاءني صوت رجل، حاد، ثابت:

> "إذا وصلتِ لهذا الشريط، فهذا يعني أن الحلقة الأخيرة بدأت.

لا تثقي في الطبيب.

ولا في دفاترك.

كل ذاكرة يمكن أن تكون ملفًا مزروعًا.

الحقيقة ستبدأ حين تعجزي عن تمييزها."

ثم صمت،

ثم بصوت أضعف:

“أنا آسف يا ليلى… لكنكِ من كنتِ تُراقبين، منذ البداية.”

---

خرجت من البيت، والشمس ساطعة بشكل مؤلم.

كنت أسمع كل شيء… بوضوح زائد.

وقع خطوات الناس.

صوت المراوح من الشرفات.

همسات الهواتف.

كأن عقلي لا يفلتر الأصوات بعد الآن.

 

---

في داخلي سؤال واحد يتردد الآن:

هل أنا "ليلى" فعلاً؟

ولا واحدة من النماذج؟

واحدة من الخمس تجارب؟

 

---

في الفصل القادم… سأعود للدكتور نادر.

لكن هذه المرة… ليس كطبيبة ومريضة،

بل كمحققة ومشتبَه به.

 

---

يتبع…

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
yosif albadry تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

1

متابعهم

0

مقالات مشابة
-