متلازمة جويسا (الجزء الأول )

متلازمة جويسا (الجزء الأول )

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about متلازمة جويسا (الجزء الأول )

🖋️ متلازمة جويسا

الفصل الأول: “صوت تحت جلدي”

> لا شيء مؤلم كأن تُقسم لنفسك أنك بخير... بينما أحدهم في داخلك يهمس: “كذّابة.”

---

مرحبًا، اسمي ليلى.

عمري سبعٌ وعشرون سنة.

أعمل في التسويق، أحب القهوة السوداء، وأجمع دفاتر لا أكتب فيها شيئًا.

والأهم... أنا لست مجنونة.

قال الطبيب إن ما أعانيه اسمه "متلازمة جويسا"،

لكنني متأكدة أنه اخترع الاسم في لحظته.

كان صوته ناعمًا، يشبه صوت المذيعين الذين يخبرونك بأن العالم انتهى... ثم يبتسمون.

قال لي:

> “العقل أحيانًا... يبتكر لنفسه سجنًا من وهم، ويقنعك أن هذا هو الواقع.”

 

نظرتُ إلى عينيه طويلًا، وابتسمت.

ما لم يعرفه الطبيب، هو أنني لم أعد أثق في العيون.

---

كل شيء بدأ في صباح رمادي.

استيقظتُ على صوت هادئ يقول:

“قومي، لقد تأخرتِ.”

كان الصوت يأتي من داخلي، لكنه لم يكن لي.

لم يكن "تفكيرًا"... كان "صوتًا".

كأن أحدهم جلس خلف جمجمتي، وقرر أن يعيش معي.

فتحتُ عيني، وجدتُ غرفتي كما هي.

السقف المشروخ، الستائر البيج، كوب ماء نصف ممتلئ على الكومود.

كل شيء طبيعي.

لكنّ الشعور…

الشعور كان غريبًا.

أنا هنا... لكني لست هنا.

مشيتُ إلى المرآة،

حدقتُ في عينيّ،

رأيتني.

ورأيت ظلًا خلفي، يشبهني... لكنه لا يرمش.

---

أخبرتُ صديقتي مريم أن شيئًا غريبًا يحدث لي.

ضحكت، وقالت:

> “كلنا كده... دماغنا مخرومة من كتر التفكير. هاتي قهوة وتعالي نشتكي.”

 

لكني لم أكن أشتكي.

كنت أصف.

هناك فرق بين الشكوى والوصف.

أنا لا أحتاج تعاطفًا، أحتاج خريطة للخروج من رأسي.

---

في الليلة الأولى من أعراض "جويسا"، حلمتُ أنني أستيقظ من حلمٍ داخل حلم.

صحوتُ في الحلم وأنا أصرخ، ثم صحوتُ في الحقيقة ولا زلت أسمع صرختي، تتردد في جدران الغرفة.

نهضتُ أبحث عن شيء.

شيء لم أكن أعرفه، لكنني شعرت أنه ناقص.

وجدتُ دفترًا تحت وسادتي.

دفترًا رماديًا، كُتب على غلافه:

> “هذا ليس حلمًا، ولا يقظة. هذه المرحلة بين بين.”

 

فتحته.

كان بخطّي.

لكنني لم أكتبه.

---

قال الطبيب في الجلسة الأخيرة إن المرض في مراحله الأولى.

لكنني أعلم الحقيقة.

"جويسا" ليست مرضًا…

بل زائرًا.

زائر يطرق العقل من الداخل.

يزحف بين أفكارك…

ويُبدل أماكن الذكريات كأنها أثاث في غرفة.

--

في الليلة القادمة، سأترك هذا الدفتر مفتوحًا.

سأكتب فيه كل ما يحدث.

إن عدتُ وقرأته وشعرتُ أنه غريب…

فسأعلم أن "ليلى" قد غادرت،

وأن من يكتب... ليست أنا .

 

 

 

---

في صغري، كنت أؤمن أن كل البشر شفافون.

أننا نولد بقلوب زجاجية، نمرّ بالحياة فتنكسر فينا حتة… بعد حتة… حتى نصير بشرًا عاديين.

لكنني الآن لست شفافة.

أنا مرآة.

كل من يحدق فيّ، يرى نفسه فقط.

---

اليوم عدتُ إلى بيت أمي لأول مرة منذ شهور.

وجدت رائحتها معلقة في الهواء، رغم أنها ماتت منذ عام ونصف.

رائحتها كانت تشبه زيت الشعر الساخن… وشيئًا من الدعاء.

لم أخبر أحدًا أنني أزورها.

لم أحتمل أن أشرح لأي أحد لماذا أقف في غرفة قديمة، أفتح أدراجًا لا تحمل شيئًا سوى الغبار، وأبكي بلا سبب واضح.

ثم وجدته.

الشريط.

شريط كاسيت أسود، عليه بخط يدها:

> “صوتك في عمر الثلاث سنوات.”

 

وضعتُه في المسجّل القديم، وجلس قلبي على حافة رئتي.

ثم سمعت الصوت.

لكن الصوت لم يكن لي.

كان صوتًا غريبًا، أنثويًا، ناضجًا، يقول:

> “أنا آسفة يا ليلى… لكن ده لازم يحصل. علشان نقدر نرجّع التوازن.”

 

أوقفت الشريط.

الغرفة دارت من حولي.

هذا ليس صوتي… ولا صوت أمي.

فمن؟

ومن الذي كان يعرف اسمي، قبل أن أعرف نفسي؟

---

في جلسة العلاج التالية، كنت هادئة بشكل مريب.

الدكتور "نادر" سألني:

> “هل شعرتِ مؤخرًا بأنك... خارج الزمن؟ كأنك في وقت لا يخصّك؟”

 

هززتُ رأسي بالإيجاب.

ثم أضفتُ بهدوء:

> "أنا مش بس حاسة إني خارج الزمن،

أنا بدأت أشك إني مش في جسمي.

كل حاجة حواليا مألوفة… بس محسّها مش بتاعتي."

 

أخرج دفترًا صغيرًا، وكتب شيئًا بسرعة.

كنت أكرهه حين يكتب وأنا أتكلم.

كأن كلماتي مادة خام لتحليلاته، لا اعترافات حقيقية.

قلت له:

> "هل تؤمن إن ممكن الذاكرة تكون مستعارة؟

يعني... تكون عايش ذكريات مش بتاعتك؟"

 

نظر لي للحظة طويلة.

ثم قال:

> "ممكن…

لكن ده مش بالضرورة جنون، ممكن يكون دفاع من العقل.

لما التجربة الأصلية مؤلمة أوي… ممكن العقل يغير ملامحها، كأنها حلم لحد تاني."

 

ابتسمت، وسألته:

> "طيب… ولو التجربة دي عمرها ما حصلت؟

يعني مش مشوّهة… لأ، مختَلقة بالكامل…؟"

 

لم يُجب.

---

في الطريق للبيت، شعرتُ أن كل وجه أراه… مألوف.

كأنني رأيتهم جميعًا في حياة سابقة.

ثم رأيت المرأة.

كانت واقفة على الرصيف المقابل.

تنظر لي بثبات.

لم تبتسم، لم تلوّح.

لكن حين اقتربتُ منها، قالت دون أن تحرك شفتيها:

> "انتي عارفة إنك قربتي توصلي، صح؟

بس السؤال مش فين، السؤال: انتي رايحة لمين؟"

 

رمشتُ بعيني، واختفت.

كأنها لم تكن.

---

في الليل، فتحت الدفتر الرمادي.

في الصفحة الأولى، وجدت جملة مكتوبة بخط غير خطي:

> “تذكّري: أنتِ صاحبة القفل… ولستِ المفتاح.”

---

أنا خائفة.

لكني مستعدة.

في الغد، سأذهب للمكان الوحيد الذي لم أجرؤ على زيارته منذ بدأت الأصوات:

غرفة أبي.

 

---

يتبع…

 

---

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
yosif albadry تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-