في مثل هذا اليوم 1967: القرار الكارثي الذي غير وجه القدس إلى الأبد
في مثل هذا اليوم 1967: القرار الكارثي الذي غير وجه القدس إلى الأبد

نبذة مختصرة:
في الثامن والعشرين من يونيو عام 1967، اتخذ الكنيست الإسرائيلي خطوة تشريعية خطيرة ومثيرة للجدل، حيث منح الحكومة الضوء الأخضر لضم القدس الشرقية وتوسيع حدود البلدية بصفة أحادية، وفرض القوانين الإسرائيلية عليها بعد أسابيع قليلة من احتلالها في حرب النكسة، وهو القرار الذي شكل بداية لمعركة ديموغرافية وسياسية وقانونية مستمرة حتى يومنا هذا لطمس الهوية العربية للمدينة المقدسة.
صدمة النكسة والتحرك السريع نحو قضم الجغرافيا
شكلت حرب يونيو 1967، أو ما عُرف عربياً بالنكسة، منعطفاً مأساوياً في التاريخ العربي الحديث، حيث لم تقتصر الخسارة على الهزيمة العسكرية للنظام الإقليمي العربي، بل امتدت لتشمل ضياع ما تبقى من فلسطين التاريخية وعلى رأسها جوهرة المدائن؛ القدس الشرقية. ولم تكد تمضي أسابيع قليلة على توقف أزيز الطائرات والمدافع حتى سارعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى ترجمة تفوقها العسكري إلى واقع قانوني وسياسي على الأرض، مدفوعة برغبة عارمة في فرض سياسة الأمر الواقع قبل أن تتحرك الدبلوماسية الدولية لفرض أي صيغة للانسحاب. وجاء يوم 28 يونيو ليحمل الصدمة التشريعية الأولى عبر الكنيست، الذي أصدر تعديلاً قانونياً يمنح الحكومة الصلاحية الكاملة لتوسيع نطاق القضاء الإسرائيلي والإدارة والتشريع ليملأ أي مساحة جغرافية يتم تحديدها بأمر حكومي، وهو ما كان غطاءً برلمانياً مباشراً لابتلاع القدس الشرقية وإلحاقها ببلدية القدس الغربية المحتلة منذ عام 1948، في خطوة كشفت مبكراً أن الهدف لم يكن مجرد احتلال عسكري مؤقت بل كان خطة مسبقة لتهويد المدينة بالكامل.
المخطط الهيكلي وتوسيع الحدود لابتلاع الأرض وطرد السكان
لم يكن قرار الضم مجرد حبر على ورق أو إعلان سياسي عابر، بل تحول فوراً إلى آلة ديموغرافية وجغرافية مرعبة بدأت بإعادة رسم حدود بلدية القدس بشكل غريب وموجه؛ حيث جرى توسيع حدود البلدية بمقدار عشرة أضعاف مساحتها الأصلية لتشمل مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية المحتلة وقراها المحيطة، مع الحرص التام على استثناء التجمعات السكانية الفلسطينية الكثيفة خارج الحدود الجديدة والتركيز على قضم الأرض الفارغة الصالحة للاستيطان. هذا التخطيط الخبيث استهدف خلق أغلبية يهودية ساحقة وتقليص الوجود العربي إلى أقل نسبة ممكنة، وهو ما تُرجم عملياً على مدار العقود اللاحقة عبر بناء حزام من المستوطنات الضخمة التي حاصرت القدس الشرقية وعزلتها تماماً عن عمقها الفلسطيني في الضفة الغربية. وبموجب هذا القرار، تحول أصحاب الأرض الأصليين في ليلة وضحاها من مواطنين يمتلكون مدينتهم إلى "مقيمين دائمين" بموجب بطاقات هوية إسرائيلية زرقاء يمكن سحبها في أي وقت تحت ذرائع واهية، لتبدأ فصول واحدة من أقسى عمليات التطهير العرقي الصامت عبر القوانين التعسفية والضرائب الباهظة وهدم المنازل.
فرض القوانين الإسرائيلية ومقصلة الأسرلة الثقافية والتعليمية
امتدت تداعيات قرار الكنيست في ذلك اليوم لتضرب العمق الإداري واليومي لحياة المقدسيين عبر فرض القوانين والأنظمة الإسرائيلية بقوة السلاح والملاحقة القضائية، حيث جرى إلغاء القوانين الأردنية التي كانت سائدة، وحل مجلس بلدية القدس العربية المنتخب ونفي رئيسه وأعضائه، وإجبار المؤسسات والدوائر الحيوية كالمحاكم والمدارس والمرافق الصحية على التبعية الكاملة لمنظومة الاحتلال. وكان لقطاع التعليم النصيب الأكبر من المحاولات الشرسة للأسرلة وطمس الهوية؛ حيث حاولت سلطات الاحتلال استبدال المناهج العربية بأخرى مشوهة تلغي الوجود والتاريخ الفلسطيني، ومحاربة أي مظهر من مظاهر الانتماء الوطني داخل المدارس، فضلاً عن إخضاع الاقتصاد المقدسي لتبعية قسرية مع الاقتصاد الإسرائيلي من خلال فرض عملة الاحتلال والضرائب الجائرة مثل ضريبة "الأرنونا" التي استخدمت كسلاح اقتصادي لتهجير التجار والمواطنين ودفعهم لمغادرة بلداتهم التاريخية داخل الأسوار.
الرفض الدولي العقيم وتواطؤ الفيتو في حماية التهويد
أثار القرار الإسرائيلي بضم القدس في يونيو 1967 موجة عارمة من الرفض الدولي والاستنكار داخل أروقة الأمم المتحدة، حيث سارعت الجمعية العامة لإصدار القرارين 2253 و2254 اللذين اعتبرا جميع الإجراءات الإسرائيلية لتغيير وضع المدينة باطلة وملغاة وغير قانونية، وهو الموقف الذي أكده مجلس الأمن الدولي لاحقاً في قرارات شهيرة مثل القرار 252 والقرار 478 عقب إعلان الاحتلال القدس "عاصمة موحدة" له عام 1980. ومع ذلك، بقيت هذه القرارات والبيانات الدولية تدور في حلقة مفرغة من العجز الدبلوماسي أمام الدعم المطلق والتواطؤ المستمر من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية التي استخدمت حق النقض (الفيتو) مراراً لحماية إسرائيل من أي عقوبات فعلية، وصولاً إلى الاعتراف الأمريكي الصادم بالقدس عاصمة للاحتلال في أواخر عام 2017، مما أثبت للفلسطينيين أن القانون الدولي بلا قوة تحميه يتحول إلى مجرد حبر على ورق أمام غطرسة القوة والاحتلال.
الصمود المقدسي وإفشال مخططات المحو الكامل
رغم مرور ما يقارب الستة عقود على ذلك القرار المشؤوم ورغم مليارات الدولارات التي ضُخت والمشاريع التهويدية التي نفذت تحت الأرض وفوقها، فإن إسرائيل فشلت فشلاً ذريعاً في حسم معركة القدس لصالحها بفضل الصمود الأسطوري والمقاومة الشعبية المستمرة لأبناء المدينة المقدسة. إن المقدسيين الذين رفضوا التنازل عن هويتهم العربية والإسلامية والمسيحية، خاضوا وما زالوا يخوضون معارك يومية وثقها التاريخ في هبات باب الأسباط، وباب العمود، والشيخ جراح، وسلوان، مدافعين بأجسادهم العارية عن المسجد الأقصى وكنيسة القيامة ضد الاقتحامات ومحاولات التقسيم الزماني والمكاني. هذا الصمود اليومي حوّل القدس الشرقية إلى بركان دائم الانفجار تحت أقدام المحتلين، وأثبت للعالم أجمع أن توقيع قرار في الكنيست عام 1967 لم ينجح في نزع عروبة المدينة من قلوب عمارها، وأن السيادة الحقيقية على الأرض تصنعها دماء وتضحيات الشعوب لا تشريعات وقوانين المستعمرين.
دروس الذاكرة والمسؤولية التاريخية تجاه زهرة المدائن
إن استعادة ذكرى قرار ضم القدس في مثل هذا اليوم لا يجب أن تكون مجرد بكائية تاريخية أو سرد لقصة من الماضي، بل هي صرخة لتذكير الأمة العربية والإسلامية والعالم الحر بالمسؤولية التاريخية والأخلاقية والقانونية تجاه مدينة السلام التي لم تعرف السلام منذ احتلالها. إن المعركة الحالية في القدس تجاوزت مرحلة الاستيطان التقليدي لتصل إلى مرحلة الحسم الديموغرافي الشامل ومحاولات هدم المسجد الأقصى لبناء الهيكل المزعوم، وهو ما يتطلب تفعيل الدعم والمساندة الفعلية لصمود المقدسيين على شتى الأصعدة السياسية والاقتصادية والتعليمية بدلاً من الاكتفاء ببيانات الشجب والإدانة التقليدية. وتبقى القدس الشرقية، برغم كل محاولات الأسرلة والضم والتشريعات الزائفة، العاصمة الأبدية والروحية لفلسطين، والشاهد الحي على أن الاحتلال مهما طال ليله ومهما بلغت قوته التشريعية والعسكرية، فإنه إلى زوال حتمي أمام حتمية التاريخ وإرادة الشعوب الحرة.