عم سعيد... وحكاية الترابيزة اللي جنب الباب

عم سعيد... وحكاية الترابيزة اللي جنب الباب

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about عم سعيد... وحكاية الترابيزة اللي جنب البابعم سعيد... وحكاية الترابيزة اللي جنب الباب

 

في آخر الشارع، كانت توجد قهوة قديمة لا تميزها الديكورات الفاخرة ولا اللافتات المضيئة. كانت مجرد مكان بسيط، تتصاعد منه رائحة القهوة، ويملأه صوت أحجار الطاولة وضحكات الزبائن.

لكن كل من يعرف القهوة، يعرف شيئًا واحدًا…

أن الترابيزة الصغيرة الموجودة بجوار الباب لا يجلس عليها أحد.

وإذا حاول غريب أن يجلس عليها، كان عم سعيد، صاحب القهوة، يبتسم ويقول بهدوء:

“لو سمحت... اختار أي ترابيزة تانية.”

لم يكن يشرح السبب أبدًا.

حتى بدأ الناس ينسجون الحكايات.

قال البعض إنها محجوزة لشخصية مهمة، وقال آخرون إنها تجلب الحظ، بينما ظن البعض أن الرجل مجرد عجوز متعلق بعادة قديمة.

لكن الحقيقة... كانت أثقل من كل التخمينات.

---

قبل أكثر من خمسة عشر عامًا، كان هناك رجل اسمه محمود.

موظف بسيط، لا يملك سيارة فاخرة ولا بيتًا كبيرًا، لكنه كان يملك قلبًا يعرف معنى الوفاء.

كل يوم، بعد انتهاء عمله، كان يأتي إلى القهوة في الخامسة مساءً، ويجلس على تلك الترابيزة المطلة على الباب.

كان يطلب فنجان قهوة واحدًا، وينظر إلى الشارع بصمت.

وفي تمام الخامسة والنصف، كانت تمر زوجته من أمام القهوة عائدة من عملها.

كانت تبتسم له من بعيد، فيرد لها الابتسامة دون أن يغادر مكانه.

ثم تقوم بالإشارة إليه بيدها وكأنها تقول:

“استناني... هطلع أغير هدومي وأنزل نتمشى.”

وكان يضحك كطفل صغير.

تكررت اللحظة نفسها كل يوم.

حتى أصبحت عادة لا تنكسر.

وذات مساء…

مرت الخامسة.

ثم الخامسة والنصف.

ثم السادسة.

لكنها لم تمر.

رن هاتف محمود.

كانت مكالمة قصيرة…

حادث سير.

ولم تعد زوجته إلى البيت أبدًا.

في اليوم التالي، ظن الجميع أنه لن يأتي.

لكنه جاء.

وجلس في نفس المكان.

طلب نفس فنجان القهوة.

وظل ينظر إلى الباب.

وفي الخامسة والنصف تمامًا…

ابتسم.

كأنها مرت أمامه.

استمرت تلك العادة سنوات.

كان يأتي كل يوم، يجلس، يبتسم للشارع، ثم يغادر في هدوء.

لم يكن ينتظر معجزة.

كان فقط يحافظ على آخر موعد جمعه بحب عمره.

---

كان عم سعيد يراقبه كل يوم.

لم يحاول يومًا أن يقاطعه أو يسأله لماذا يفعل ذلك.

كان يضع فنجان القهوة أمامه بصمت، وأحيانًا يتركه دون أن يأخذ ثمنه.

لأنه أدرك أن بعض الجروح لا تحتاج كلمات... بل تحتاج مكانًا يحتفظ بذكرياتها.

---

وفي أحد الأيام…

جاء محمود كعادته.

شرب نصف فنجان القهوة.

ابتسم نحو الباب.

ثم أسند رأسه إلى الكرسي.

ولم يتحرك مرة أخرى.

رحل بهدوء…

كما عاش سنواته الأخيرة.

وصلت سيارة الإسعاف، وامتلأت القهوة بالناس.

لكن عم سعيد لم يبكِ أمام أحد.

اقترب من الترابيزة، رفع الفنجان بيد مرتعشة، ومسح سطحها بقطعة قماش، ثم همس:

“النهارده أخيرًا... لحق موعده.”

---

منذ ذلك اليوم، لم يسمح عم سعيد لأحد بالجلوس على تلك الترابيزة.

ليس لأنها خشب قديم.

ولا لأنها مميزة.

بل لأنها كانت آخر مكان شهد قصة حب لم تهزمها السنوات، ولا الفقد، ولا الموت.

كان يقول لكل من يسأله:

“في ناس بتمشي... لكن مواعيدها بتفضل عايشة.”

---

مرت أعوام طويلة.

وفي صباح شتوي هادئ، جاء شاب صغير يحمل باقة ورد.

وقف أمام الترابيزة، ووضع الورود عليها، ثم نظر إلى عم سعيد وقال:

“أنا حفيد محمود... أمي كانت بتحكيلي إن جدي عمره ما خان ذكرى جدتي، وإن في راجل اسمه عم سعيد حافظ على المكان اللي كان بيجمعهم.”

ساد الصمت في القهوة.

ابتسم عم سعيد، لكن عينيه امتلأتا بالدموع.

نظر إلى الترابيزة ثم قال بصوت متهدج:

“بعض الناس بيفتكروا إن القهوة بتبيع شاي وقهوة... لكن الحقيقة إن الأماكن أوقات بتحفظ عمرًا كاملًا بين أربعة كراسي وفنجان لم يبرد أبدًا في قلب صاحبه.”

ومنذ ذلك اليوم، بقيت الترابيزة بجوار الباب خالية…

ليس لأنها تنتظر شخصًا سيعود…

بل لأنها تذكر كل من يراها أن الحب الصادق لا يقاس بطول العمر، وإنما بالوفاء الذي يبقى حتى بعد الرحيل.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
الزهراء احمد صلاح تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

23

متابعهم

25

مقالات مشابة
-