حين يعثر المرء على الشخص الذي يرى شروخه العميقة.. فلا يخاف وينسحب"

حين يعثر المرء على الشخص الذي يرى شروخه العميقة.. فلا يخاف وينسحب"

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

أشياء لا نقولها عن الحب: رحلة في فهم السر الأعظم 

image about حين يعثر المرء على الشخص الذي يرى شروخه العميقة.. فلا يخاف وينسحب

طوال عمري كنت أنظر إلى قصص الحب في الأفلام والروايات بشيء من التشكيك، بل ربما بالسخرية المريرة أحياناً. كنت أظن أن كل تلك المشاعر الجياشة مجرد مبالغات من صنع كُتّاب يريدون بيع رواياتهم، أو مخرجين يطمحون لملء مقاعد السينما. كنت أرى الحياة عبر عدسة عقلانية جافة وباردة، وأعتقد أن الإنسان أذكى من أن يترك قلبه يتحكم في خطواته ومصيره لمجرد كلمة أو التفاتة. كنت أتساءل دائماً ببرود: كيف يمكن لشخص عاقل أن يربط سعادته، ومزاجه اليومي، وهدوء روتينه بوجود شخص آخر؟ لكن، يبدو أن الحياة دائماً تخبئ لنا من المفاجآت ما يكسر كبرياءنا العقلاني، وكان لا بد لي أن أصطدم بالتجربة بنفسي لأكتشف أنني لم أكن أفهم شيئاً على الإطلاق عن طبيعة هذه المضغة التي تنبض في صدورنا

.حين تتوقف عن كونك بطل حكايتك الوحيد

حين تدق هذه التجربة بابك، لا تأتيك بتعريفات جاهزيةمن القواميس، ولا تمنحك كيتالوجاً لتفهم ما يحدث لك. في الحقيقة، أول ما يصفعك به الحب هو أنه يجرّدك من أنانيتك؛ فجأة، وبدون سابق إنذار، تكتشف أنك لم تعد مركز الكون الخاص بك، وأن هناك شخصاً آخر دخل إلى عالمك واستقر في أعمق نقطة فيه. لا يدخل كضيف ثقيل تحتاج لمجاملته، بل كأنفاسك التي لا تستأذنك لتنعش رئتيك.

يتجلى السحر هنا حين تعثر على إنسان يرى شروخك العميقة، وندوبك القديمة، وعيوبك التي تقضي عمرك كله خائفاً من أن يلمحها أحد. والمدهش، بل والمبكي في آن واحد، أنه بدلاً من أن يجفل من تلك الشروخ وينسحب، تجده يتحسسها بحنان، ويجلس بجوارك بكل هدوء ولطف، ليساعدك على جمع شتات فوضاك الداخلية دون أن يشعرك ولو للحظة بالذنب أو النقص. هنا فقط تفهم معنى أن تكون "مفهوماً دون أن تتكلم".

البوصلة التي لا تخطئ الوجوه 

لطالما سألت نفسي في عتمة الليل: لماذا هذا الشخص بالذات من بين ملايين الوجوه التي تعبرنا كل يوم؟ ما الذي يدفع هذه البوصلة العاطفية في صدري لتشير إليه وحده وتتوقف؟ مع الوقت، شعرت أن الأمر أعمق بكثير من مجرد إعجاب بالشكل أو الطباع؛ إنه نداء خفي يتردد بين الأرواح.

نحن ننجذب لشخص ما لأن روحه تحمل رائحة "الأمان" الذي نبحث عنه منذ طفولتنا، وجهه يشعرنا بالألفة وكأننا نعود إلى بيتنا الدافئ بعد رحلة غربة طويلة ومرهقة في منافي الحياة. السحر الحقيقي وراء هذا الانجذاب هو "القبول العاري"؛ أن تجلس مع شخص وأنت مخلوع من كل أقنعتك الاجتماعية، لست مضطراً لتكون الأذكى، أو الأقوى، أو الأكثر مثالية. يمكنك أن تكون ضعيفاً، حزيناً، أو حتى صامتاً، وتعرف في أعماقك أنك لست بحاجة لتبرير نفسك، لأنك محبوب في أسوأ حالاتك قبل أفضلها.

الزلزال الهادئ وضبط ألوان الروح 

أما عما يحدث في أعماقك، فهو أشبه بزلزال هادئ، لا يهدم جدرانك بل يضيء عتمتها. الحب يعيد ضبط ألوان الحياة كلها في عينيك؛ فتصبح التفاصيل الصغيرة العادية التي يمر عليها الناس دون انتباه، بمثابة معجزات يومية بالنسبة لك. ضحكة الشريك العفوية التي تخرج من قلبه، بحة صوته الدافئة عند التعب، تفاصيل يديه، وحتى الأغاني التي يدندن بها، كلها تصبح نصوصاً مقدسة تحفظها في ذاكرتك ولا تمل من تكرارها.

ومع هذه البهجة، يولد في النفس خوف من نوع خاص؛ خوف لذيذ ومرعب، وهو الخوف من فقدان هذا النور، أو الخوف من ألا نكون ملاذاً كافياً لمن نحب. هذا الخوف ليس ضعفاً، بل هو الحارس الذي يمنحنا اليقظة لنتمسك بالطرف الآخر ونرعى وجوده بشغف متجدد. ورغم هذا القلق، هناك طبقة عميقة جداً من السكينة تنبع من فكرة أنك لم تعد تسير وحيداً في هذا الممر الضيق، وأن قسوة العالم بضغوطه وأزماته أصبحت مجرد ضوضاء خارجية لا تملك القدرة على إيذائك، طالما أن هناك قلباً صادقاً ينتظرك في نهاية اليوم ويمثل لك وطناً آمناً.

الحب ليس مصادفة عابرة.. إنه وعود الصمود

في نهاية المطاف، وبعد أن عشت هذه التجربة وتجرعت حلوها ومرها، خرجت بيقين راسخ: الحب ليس مجرد سحابة وردية ننتظر أن تمطر علينا في ليلة شاعرية، بل هو "قرار واعي وشجاع" نتخذه كل يوم بمحض إرادتنا. هو قرار بأن تبقى حين يسهل الرحيل، وأن تصبر حين يقل الاحتمال، وأن تعبر الأيام العاصفة والظروف الصعبة معاً يداً بيد، دون أن تفلت يدك.

الشرارة الأولى قد تشتعل بفعل صدفة أو نظرة لا نفهمها، لكن استمرار الشعلة متقدة عبر السنين يتطلب الكثير من التنازل الذكي، والإنصات الحقيقي، والحنان المستمر الذي لا ينضب. إنها المغامرة الوحيدة في هذه الحياة التي تستحق أن نلقي بقلوبنا في غمارها دون خوف؛ لأن العيش في عالم خالٍ من الحب هو الموت الحقيقي وأنفاسك تتردد، أما الحب فهو الثورة الوحيدة التي تمنحنا الحق في أن نبتسم ونستمر في المقاومة وسط كل هذا الركام..

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
AHMED GHAZY تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

0

مقالات مشابة
-