قصه الصبي الأعمي في خياله

قصه الصبي الحائر الاعمي
1- يوم غامض:
لا يذكر لهذا اليوم اسمًا، ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه الله من الشهر والسنة، بل لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتًا بعينه، وإنما يقرّب ذلك تقريبًا.
وأكبر ظنّه أن هذا الوقت كان يقع من ذلك اليوم في فجره أو في عشائه، يرجّح ذلك؛ لأنه يذكر أن وجهه تلقّى في ذلك الوقت هواءً فيه شيء من البرد الخفيف الذي لم تذهب به حرارة الشمس، ويرجّح ذلك؛ لأنه على جهله حقيقة النور والظلمة، يكاد يذكر أنه تلقّى حين خرج من البيت نورًا هادئًا خفيفًا لطيفًا كأن الظلمة تغشى بعض حواشيه، ثم يرجّح ذلك؛ لأنه يكاد يذكر أنه حين تلقّى هذا الهواء وهذا الضياء لم يأنَس من حوله حركة يقظة قوية، وإنما أنِس حركة مستيقظة من نوم أو مقبلة عليه.
2- ذكرى السياج:
وإذا كان قد بقي له من هذا الوقت ذكرى واضحة بيّنة لا سبيل إلى الشك فيها، فإنما هي ذكرى هذا السياج الذي كان يقوم أمامه من القصب، والذي لم يكن بينه وبين باب الدار إلا خطوات قصار. هو يذكر هذا السياج كأنه رآه أمس، يذكر أن قصب هذا السياج كان أطول من قامته؛ فكان من العسير عليه أن يتخطّاه إلى ما وراءه.
3- وصف السياج:
ويذكر أن قصب هذا السياج كان متقاربًا كأنه متلاصق، فلم يكن يستطيع أن ينسلّ في ثناياه.
ويذكر أن قصب هذا السياج كان يمتد عن شماله إلى حيث لا يعلم له نهاية، وكان يمتد عن يمينه إلى آخر الدنيا من هذه الناحية، وكان آخر الدنيا من هذه الناحية قريبًا، فقد كانت تنتهي إلى قناة عرفها حين تقدّمت به السن، وكان لها في حياته - أو قُلْ في خياله - تأثير عظيم.
4- الصبي يحسد الأرانب:
يذكر هذا كله، ويذكر أن الصبي كان يحسد الأرانب التي كانت تخرج من الدار كما يخرج منها، وتتخطى السياج وثبًا من فوقه، أو انسيابًا بين قصبه، إلى حيث تقرض ما كان وراءه من نبت أخضر يذكر منه الكرنب خاصة.
5- الشاعر وما يقصه على الناس من قصص مؤثرة:
ثم يذكر أنه كان يحب الخروج من الدار إذا غربت الشمس وتعشَّى الناس، فيعتمد على قصب هذا السياج، مفكرًا مغرقًا في التفكير، حتى يرده إلى ما حوله صوت الشاعر وقد جلس على مسافة من شماله، والتف حوله الناس، وأخذ يُنشدهم في نغمةٍ عذبةٍ غريبةٍ أخبار أبي زيد وخليفة ودياب، وهم سكوت إلا حين يستخفهم الطرب أو تستفزهم الشهوة؛ فيستعيدون ويتمرون ويختصمون، ويسكت الشاعر حتى يفرغوا من لغطهم بعد وقت قصير أو طويل، ثم يستأنف إنشاده العذب بنغمته التي لا تكاد تتغير.
6- ذكرى أليمة تمنعه من الاستماع للشاعر:
ثم يذكر أنه كان لا يخرج ليلة إلى موقفه من السياج إلا وفي نفسه حسرة لاذعة؛ لأنه كان يُقدّر أن سيُقطع عليه استماعه لنشيد الشاعر؛ حين تدعوه أخته إلى الدخول فيأبى؛ فتخرج فتشده من ثوبه؛ فيمتنع عليها، فتحمله بين ذراعيها كأنه الثُمامة. (الثُّمامة: كومة القش)
وتعدو به إلى حيث تُنيمه على الأرض، وتضع رأسه على فخذ أمه، ثم تُغمض أمه إلى عينيه المظلمتين، فتفتحهما واحدة بعد الأخرى، وتقطر فيهما سائلًا يؤذيه، ولا يُجدي عليه خيرًا.
وهو يألم، ولكنه لا يشكو ولا يبكي؛ لأنه كان يكره أن يكون كأخته الصغيرة بكاءً شكاءً.
ثم يُنقل الصبي إلى زاوية في حجرة صغيرة، فتُنيمه أخته على حصير قد بُسط عليها لحاف، وتُلقي عليه لحافًا آخر وتَذَره وإنّ في نفسه لحسرات، وإنه ليمدّ سمعه مدًّا يكاد يخترق به الحائط؛ لعله يستطيع أن يصله بهذه النغمات الحلوة التي يرددها الشاعر في الهواء الطلق تحت السماء.
7- الخوف من العفاريت:
ثم يأخذه النوم، فما يحس إلا وقد استيقظ والناس نيام، ومن حوله إخوته وأخواته يغطون فيسرفون في الغطيط. (الغطيط: صوت النائم)
فيُلقي اللحاف عن وجهه في خيفة وتردُّد؛ لأنه كان يكره أن ينام مكشوف الوجه، وكان واثقًا أنه إن كشف وجهه أثناء الليل، أو أخرج أحد أطرافه من اللحاف، فلا بد من أن يعبث به عفريت من العفاريت الكثيرة، التي كانت تعمر أقطار البيت، وتملأ أرجاءه ونواحيه، والتي كانت تهبط تحت الأرض ما أضاءت الشمس واضطرب الناس.