صانع التاريخ: كيف أسس محمد علي مصر الحديثة؟
في أواسط القرن الثامن عشر، وتحديداً عام 1769، ولد رجلٌ غَيَّر وجه الشرق الأوسط بأكمله؛ إنه محمد علي باشا، الألباني الذي جاء إلى مصر كضابط في الجيش العثماني لمواجهة الحملة الفرنسية، ليصبح خلال سنوات قليلة الحاكم الفعلي ومؤسس مصر الحديثة.
الوصول إلى الحكم وتثبيت أركان الدولة (1801 - 1811)
وصل محمد علي إلى مصر عام 1801 ضمن الفوج الألباني التابع للجيش العثماني. وبذكاء سياسي فذ، استغل حالة الفوضى والصراع بين المماليك والعثمانيين، ونجح في كسب ثقة زعماء الشعب المصري والعلماء وعلى رأسهم عمر مكرم. وفي عام 1805، بايع الشعب المصري محمد علي والياً على مصر، وأُجبر السلطان العثماني على إقرار هذه التولية.
ولم يكن طريق الحكم مفروشاً بالورود؛ بل واجه محمد علي تحديات جسيمة، أبرزها وجود النفوذ المملوكي المنافس. وتكللت محاولاته لتأمين السلطة المطلقة بالحدث التاريخي الفارق في عام 1811، والمعروف بـ "مذبحة القلعة"، حيث قضى على كبار قادة المماليك، ليتفرغ تماماً لبناء مشروعه الإصلاحي الكبرى.
نهضة شاملة: بناء الدولة الحديثة
أدرك محمد علي أن بقاء حكمه واستقلاليته مرهونان ببناء دولة قوية على النمط الأوروبي الحديث، فانطلق في ثورة إصلاحية شاملة شملت كافة مناحي الحياة:
الجيش والأسطول: أنشأ جيشاً نظامياً حديثاً يعتمد على التجنيد الإجباري للمصريين، واستعان بالخبرات الفرنسية لتدريبه وتجهيزه بأحدث الأسلحة، كما بنى ترسانة بحرية قوية في الإسكندرية.
الزراعة والري: شق التعديلات الكبرى في شبكات الري، مثل الترع والقناطر الخيرية، وأدخل زراعة القطن طويل التيلة الذي أصبح الداعم الأساسي للاقتصاد المصري لقرون.
الصناعة: أنشأ المصانع الحربية ومصانع الغزل والنسيج والسكر، محققاً درجة عالية من الاكتفاء الذاتي ومطبّقاً نظام المحتكر لإدارة الاقتصاد.
التعليم والبعثات: أرسل البعثات العلمية إلى أوروبا (ولاسيما فرنسا) لنقل العلوم الحديثة، وأنشأ المدارس العليا كالمدرسة الطبية ومدرسة المهندسخانة، وكان للشيخ رفاعة الطهطاوي دور محوري في هذه النهضة الفكرية.
التوسع العسكري والتحدي الإقليمي
لم تقتصر طموحات محمد علي على الشأن الداخلي؛ بل مدّ نفوذه العسكري إلى شبه الجزيرة العربية والسودان، ثم خاض حرباً طاحنة ضد السلطان العثماني نفسه في بلاد الشام. واستطاع جيشه بقيادة ابنه الإبرهيمي إبراهيم باشا الوصول إلى أعتاب أستانة (إسطنبول)، مما أثار رعب الدول الأوروبية العظمى (بريطانيا والنمسا وروسيا).
تدخلت القوى الأوروبية للحد من نفوذ محمد علي وفرضت عليه معاهدة لندن عام 1840، والتي أجبرته على التخلي عن فتوحاته في الشام والحجاز، مقابل الاحتفاظ بحكم مصر وسودان بشكل وراثي لأسرتها.
الخاتمة والأثر المستمر
توفي محمد علي باشا عام 1849 في الإسكندرية، ودفن في مسجده الشهير بقلعة صلاح الدين بالقاهرة. وعلى الرغم من الانتكاسة العسكرية التي فرضتها معاهدة لندن، إلا أن البنية التحتية والمؤسساتية التي أرساها وظلت تعمل لعقود طويلة جعلته يحمل بحق لقب "مؤسس مصر الحديثة"، ورجلاً نقل البلاد من ظلمات العصور الوسطى إلى فجر العصر الحديث.