الظل اللذي لم يغادر
الظل اللذي لم يغادر
في أطراف مدينة الرمادي، حيث تلتقي النخيل بحافة الصحراء، كان هناك بيت طيني قديم يعرفه الجميع باسم “بيت الحاج ياسين”. لم يكن الحاج ياسين حياً منذ سنوات طويلة، لكن اسمه بقي عالقاً بالمكان كما يعلق الغبار على أوراق النخل في أيام القيظ.
سكن البيت بعده حفيده، سالم، رجل في الأربعين من عمره، يعمل في تصليح الساعات القديمة. كان سالم رجلاً هادئاً، لا يحب الضجيج، ويقضي أغلب وقته منحنياً فوق طاولته الصغيرة، يفكك تروس الساعات ويعيد تركيبها بصبر لا يعرفه إلا صانع حقيقي.
في إحدى الليالي، وبينما كان سالم يعمل على ساعة جدارية قديمة ورثها عن جده، لاحظ شيئاً غريباً. الساعة، رغم توقفها منذ عشرين عاماً، كانت عقاربها تتحرك كل ليلة عند الساعة الثالثة تماماً، ثم تعود لتتوقف من جديد.
في البداية ظن سالم أن الأمر مجرد خلل ميكانيكي، فأعاد فحص الآلية الداخلية مرات عديدة، لكنه لم يجد أي تفسير منطقي. التروس سليمة، والزنبرك لا طاقة فيه، ومع ذلك تتحرك العقارب في نفس التوقيت كل ليلة.
قرر سالم أن يسهر ليلة كاملة ليراقب الساعة بنفسه. جلس في الظلام، وعيناه لا تفارقان وجه الساعة المضيء بخيط رفيع من ضوء القمر المتسلل عبر النافذة. حين اقتربت الثالثة فجراً، بدأ يسمع صوتاً خفيفاً، كأنه أنين خشب قديم يتمدد. ثم، وبلا سابق إنذار، تحركت العقارب.
لكن هذه المرة، لاحظ سالم شيئاً لم يلحظه من قبل: ظلاً يتحرك خلف الساعة، ظلاً لا مصدر له، لأن لا أحد كان يقف هناك سواه.
اقترب سالم بحذر، ووضع يده على إطار الساعة الخشبي. شعر بدفء غريب، كأن الخشب نفسه كان يتنفس. وفجأة، سقطت من خلف الساعة ورقة مطوية، اصفرّ لونها من القدم. فتحها بيدين مرتجفتين، فوجد خط جده الحاج ياسين، يكتب فيها:
“لمن يجد هذه الرسالة من أحفادي… كل ليلة، عند الثالثة، كنت أجلس هنا أفكر في قريتي التي تركتها، وفي أخي الذي رحل قبل أن أصالحه. ضبطت هذه الساعة على تلك الساعة لأنها كانت آخر لحظة جمعتني به وهو حي. لم أستطع إصلاح ما بيننا، فتركت الساعة تذكرني كل ليلة بأن الوقت لا يعود، وأن الصفح لا ينتظر.”
جلس سالم طويلاً يقرأ الرسالة مراراً، وفهم أخيراً أن الساعة لم تكن معطلة يوماً، بل كانت تحمل رسالة معلقة بين الزمن والذاكرة، تنتظر من يفك شيفرتها لا شيفرة تروسها.
من تلك الليلة، لم تتحرك عقارب الساعة مرة أخرى عند الثالثة فجراً. توقفت تماماً، وكأنها أدت مهمتها وسلّمت الأمانة لمن يستحقها.
أما سالم، فقد أصلح الساعة أخيراً، لكنه لم يشغّلها. علّقها على الجدار كما هي، رمزاً لا أداة، وصار كل من يزوره يسمع منه القصة، ويخرج من البيت وهو يفكر: كم من “ساعة ثالثة فجراً” نحملها نحن أيضاً، دون أن ندري؟

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق