العجوز المخادعimage about العجوز مروان المخادع

كانت قرية وادي الزيتون هادئة، حيث يثق أهلها ببعضهم البعض بشكل مطلق، حتى استقر في أطرافها رجل عجوز يدعى مروان. كان مروان يبدو للجميع شيخاً وقوراً وطيباً، يحمل سبحة خشيبية لا تفارق يده، ويرتدي ثوباً أبيض ناصع البياض يسر الناظرين. انحنى ظهره قليلاً بفعل تصاريف السنين، ورسمت التجاعيد العميقة على وجهه ملامح وقار زائف جعلت الصغير والكبير يحترمونه ويطلبون نصيحته وبركته في كل أمر.

في أحد الأيام الصيفية، أعلن العجوز مروان لأهل القرية أنه يملك صندوقاً خشبياً قديماً وثميناً ورثه عن أجداده. ادعى الخبيث أن هذا الصندوق يحتوي على أحجار كريمة نادرة جداً ومخطوطات أثرية تضمن الثراء السريع لمن يقتنيها. لكنه أضاف ممتلئاً بالخبث والدهاء: "أنا رجل زاهد في هذه الدنيا الفانية، ولا أريد مالاً لنفسي. سأبيع هذا الكنز الأثري فقط لمن يثبت أنه يستحق الخير، وسأستخدم هذا المال الوفير لبناء مدرسة حديثة لأطفال القرية".

انطلت هذه الحيلة الذكية على الجميع بلا استثناء، وتنافس أثرياء القرية سراً وعلناً على الفوز بذلك الصندوق السحري. كان هناك تاجر قماش غني وثري يُدعى حامد، طمع كثيراً في الكنز وقرر أن يقدم كل ثروته للعجوز. ذهب حامد إلى منزل مروان في ليلة مظلمة، ومعه كيس قماشي كبير مليء بالقطع الذهبية اللامعة.

ابتسم العجوز مروان في سره فرحاً بنجاح خطته، وسلم حامداً الصندوق الخشبي المغلق بإحكام بقفل حديدي متين، ثم قال له بصوت خافت ومريب: "لا تفتح هذا الصندوق إلا بعد مرور ثلاثة أيام كاملة، حتى تحل البركة على الكنز الثمين، وإلا ستحترق الأحجار الكريمة فوراً وتتحول إلى رماد بلا قيمة". وافق حامد بلهفة شديدة وأخذ الصندوق وعاد إلى بيته مسروراً.

مرت الأيام الثلاثة ببطء شديد وقاتل على التاجر الطماع حامد. وفي الليلة الرابعة المرتقبة، جمع عائلته بلهفة عارمة وأحضر المفتاح ليفتح الصندوق المنتظر. فتح القفل الحديدي ورفع الغطاء الخشبي، لتصيب الصدمة والذهول وجوه جميع الحاضرين. لم يكن في الصندوق سوى حجارة رخيصة جمعت من وادي القرية، وقطع من الزجاج الملون، ورسالة ورقية صغيرة كُتب عليها بخط واضح: "الطمع الأعمى يغلق العقول دائماً".

أسرع حامد غاضباً يصرخ في الأزقة ومعه أهل القرية الذين علموا بالخبر الصادم. اقتحموا منزل العجوز مروان بسرعة، لكنهم لم يجدوا أحداً هناك. لقد اختفى العجوز المخادع تماماً في عتمة الليل، وأخذ معه كل الذهب الذي جمعه من التاجر المغفل حامد. ترك العجوز وراءه درساً قاسيًا لن ينساه أهل القرية أبد الدهر؛ فقد تعلموا أن المظاهر البراقة غالباً ما تكون خداعة ومزيفة، وأن الثقة العمياء بالغرباء دون دليل واضح قد تكلف الإنسان كل ما يملك في لحظة واحدة. ومنذ ذلك اليوم، صارت قصة مروان تحذيراً بليغاً يتوارثه الأجيال في وادي الزيتون العامر