رحلة البحث عنى

رحلة البحث عنى

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

رحلة البحث عن الذات

الجزء الأول: الطفلة التي نسيت كيف تضحك

كانت ليان في الثامنة من عمرها، لكنها لم تكن تشبه الأطفال.

بينما كان الأطفال يركضون خلف الكرة، كانت تركض خلف صوت الصراخ، تغلق باب غرفتها وتضم وسادتها بقوة حتى لا يسمع أحد بكاءها.

كانت تتمنى شيئًا بسيطًا…

أن يمر يوم واحد دون أن تخاف.

في كل ليلة كانت تنام وهي تردد في سرها:

“غدًا سيكون أفضل…”

لكن الغد كان يشبه الأمس، والأمس كان يشبه كل الأيام.

مرت السنوات…

كبرت ليان، وتعلمت كيف تضحك أمام الجميع، حتى ظن الناس أنها أقوى فتاة عرفوها.

لكنهم لم يروا تلك الطفلة التي ما زالت تبكي داخلها.

وفي مكان آخر، كان هناك شاب يُدعى آدم.

لم تكن حياته مليئة بالصراخ مثل ليان، لكنها كانت مليئة بالصمت.

صمتٌ جعل الجميع يظن أنه بخير، بينما كان يغرق كل يوم أكثر من الذي قبله.

كان يسأل نفسه كل ليلة:

“هل أنا حقًا ضعيف… أم أنني فقط متعب؟”

لم يكن آدم يعرف أن القدر سيجمعه بليان يومًا ما…

ولم تكن ليان تعلم أن هناك أشخاصًا يحملون نفس الجروح، لكن بوجوه مختلفة.

وهكذا…

بدأت رحلة لن تكون عن الحب فقط…

بل عن النجاة.

عن الإنسان الذي يحاول أن يجمع شتات نفسه بعد أن كسرته الحياة ألف مرة.image about رحلة البحث عنى

الجزء الثاني: أشياء لا تُحكى

مرت عشر سنوات منذ الليلة التي كانت فيها ليان تحتضن وسادتها وتبكي بصمت.

أصبحت الآن في الثامنة عشرة.

كانت تجلس أمام المرآة كل صباح، ترتب شعرها، تضع ابتسامتها المعتادة، ثم تخرج إلى العالم وكأن شيئًا لم يحدث.

كانت بارعة في إخفاء حقيقتها.

حتى عن نفسها.

في الجامعة، كانت ليان محبوبة من الجميع. تضحك كثيرًا، تساعد أصدقاءها، وتبدو دائمًا قوية.

لكن سارة، صديقتها الأقرب، كانت الوحيدة التي تلاحظ شيئًا مختلفًا.

قالت لها ذات يوم:

— “ليان… إنتِ ليه كل ما تكوني لوحدك بتسكتي؟”

ضحكت ليان وقالت:

— “عادي، أنا بس بحب الهدوء.”

نظرت إليها سارة طويلًا.

— “إنتِ مش بتحبي الهدوء… إنتِ متعودة عليه.”

سكتت ليان.

لأول مرة لم تجد إجابة.

الجزء الثالث: آدم

في نفس الجامعة كان هناك شخص آخر يعيش حربًا لا يعرف عنها أحد شيئًا.

آدم.

شاب في الثانية والعشرين، هادئ، قليل الكلام، يهرب من أي حديث عن عائلته أو ماضيه.

كان الجميع يراه ناجحًا.

درجاته ممتازة، يعمل بجانب دراسته، ودائمًا يبدو مسيطرًا على حياته.

لكن في غرفته، عندما يغلق الباب، كان شخصًا آخر تمامًا.

كان يفتح هاتفه، ينظر إلى رسالة قديمة، ثم يغلقه.

رسالة من والده قبل سنوات:

“أنا آسف يا آدم… بس أنا مش قادر أكمل.”

ومنذ ذلك اليوم، تعلم آدم ألا ينتظر أحدًا.

كان يعتقد أن الاعتماد على الآخرين هو أقصر طريق للخذلان.

حتى قابل ليان.

الجزء الرابع: أول لقاء

اصطدمت ليان بآدم في أحد ممرات الجامعة.

سقطت أوراقها على الأرض.

قال آدم:

— “آسف.”

انحنى ليساعدها في جمع الأوراق.

قالت وهي تضحك:

— “واضح إنك مش بتبص قدامك.”

رد بهدوء:

— “واضح إنك إنتِ اللي كنتِ بتجري.”

ضحكت.

ولأول مرة منذ فترة طويلة، ضحكت ليان من قلبها.

لم تكن تعرف أن تلك اللحظة الصغيرة ستغير حياتها.

image about رحلة البحث عنى

الجزء الخامس: صداقة غريبة

بدأ آدم وليان يتحدثان.

في البداية عن الدراسة.

ثم عن الأفلام.

ثم عن الأحلام.

ثم عن أشياء لم يخبر أي منهما بها أحدًا.

اكتشف آدم أن ليان تخاف من الفشل أكثر مما تخاف من أي شيء آخر.

واكتشفت ليان أن آدم يكره كلمة “وعد”.

وفي إحدى الليالي، سألته:

— “ليه بتكره الوعود؟”

نظر إليها طويلًا وقال:

— “عشان الناس بتوعدك بحاجة، وبعدها أول ما تتعب… بتمشي.”

لم تعرف ليان ماذا تقول.

لأنها فهمت كلامه أكثر مما ينبغي.

الجزء السادس: السقوط

كانت ليان تظن أن الأمور بدأت تتحسن.

لكن الحياة لم تكن انتهت من اختبارها.

وصلتها نتيجة مهمة كانت تنتظرها منذ شهور.

فشلت.

جلست وحدها في الحمام، تنظر إلى النتيجة على هاتفها.

ثم بدأت تبكي.

بكت كما لم تبكِ منذ سنوات.

قالت لنفسها:

— “أنا فعلًا مش كفاية.”

وفي تلك اللحظة وصلتها رسالة من آدم:

“إنتِ فين؟”

لم ترد.

أرسل مرة أخرى:

“ليان، أنا عارف إنك مش كويسة.”

نظرت إلى الشاشة.

ثم كتبت:

“أنا تعبت يا آدم.”

جاء الرد سريعًا:

“يبقى نرتاح… مش نستسلم.”

الجزء السابع: الحقيقة

في اليوم التالي، جلسا على سطح أحد المباني.

قالت ليان:

— “أنا طول عمري بحاول أثبت إني قوية.”

سألها:

— “ولمين؟”

لم تجب.

قال:

— “إنتِ مش مطالبة تثبتي لأي حد إنك قوية.”

بدأت عيناها تمتلئان بالدموع.

— “طب أعمل إيه بكل اللي جوايا؟”

قال:

— “نواجهه.”

كانت تلك أول مرة تسمح ليان لنفسها أن تتكلم.

حكت له عن طفولتها.

عن الخوف.

عن الليالي التي نامت فيها وهي تبكي.

عن شعورها الدائم بأنها ليست كافية.

ولأول مرة…

لم يحاول أحد أن يقول لها:

“انسي.”

بل قال آدم:

— “أنا مصدقك.”

وكانت تلك الجملة كافية لتجعلها تبكي أكثر.


image about رحلة البحث عنى
الجزء الثامن: آدم أيضًا مكسور

بعد أن انتهت ليان من الحديث، ظنت أن دور آدم قد انتهى.

لكن آدم قال:

— “دلوقتي دوري.”

حكى لها عن والده.

عن رحيله.

عن المسؤولية التي حملها وهو صغير.

عن خوفه من أن يحب أحدًا ثم يخسره.

قال:

— “أنا طول الوقت بهرب من الناس قبل ما يسيبوني.”

نظرت إليه ليان وقالت:

— “يعني إحنا الاتنين بنعمل نفس الحاجة.”

ابتسم.

— “إحنا الاتنين خايفين.”

قالت:

— “بس لسه هنا.”

نظر إليها.

— “أيوه… لسه هنا.”

الجزء التاسع: محاولة جديدة

بدأت ليان رحلة مختلفة.

لم تصبح سعيدة فجأة.

لم تختفِ مشاكلها.

كانت هناك أيام تبكي فيها.

وأيام تشعر أنها عادت لنقطة الصفر.

لكن الفرق أنها لم تعد تكره نفسها بسبب ذلك.

بدأت تكتب.

كل ليلة كانت تكتب شيئًا واحدًا تحبه في نفسها.

في البداية كتبت:

“أنا بحاول.”

وفي اليوم التالي:

“أنا لم أستسلم.”

وبعد أسابيع كتبت:

“أنا أستحق أن أحب نفسي.”

كانت تلك أول مرة تصدق فيها كلماتها.


 

الجزء العاشر: الانتكاسة

ظنت ليان أنها أصبحت أقوى.

حتى جاء اليوم الذي عادت فيه كل الذكريات دفعة واحدة.

حدث شيء أعادها إلى طفولتها.

أغلقت باب غرفتها.

جلست على الأرض.

وبكت.

دخلت سارة فوجدتها منهارة.

قالت ليان:

— “أنا رجعت ضعيفة.”

احتضنتها سارة وقالت:

— “لا.”

— “أمال إيه؟”

— “إنتِ رجعتي تتوجعي… وده مش معناه إنك رجعتي لنقطة البداية.”

رفعت ليان رأسها.

كانت تلك الجملة هي الشيء الذي احتاجت لسماعه طوال حياتها.


 

الجزء الحادي عشر: القرار

في صباح اليوم التالي، وقفت ليان أمام المرآة.

رأت الطفلة القديمة بداخلها.

لكنها هذه المرة لم تغضب منها.

قالت:

“أنا آسفة إني سبتك لوحدك كل السنين دي.”

ثم ابتسمت.

— “بس من النهارده… أنا معاكي.”

ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة جديدة.

ليان لم تكن تحاول أن تصبح شخصًا آخر.

كانت تحاول أن تصبح نفسها الحقيقية.

الجزء الثاني عشر: طريقان

كان آدم أيضًا يتغير.

بدأ يتحدث مع والدته.

بدأ يواجه الأشياء التي كان يهرب منها.

لكن شيئًا واحدًا ظل يخيفه.

ليان.

لم يكن يخاف منها…

بل كان يخاف من فقدانها.

وفي إحدى الليالي قال لها:

— “ليان، لو في يوم أنا بعدت، متوقفيش حياتك.”

نظرت إليه باستغراب.

— “إنت ناوي تمشي؟”

سكت.

ولأول مرة شعرت ليان بالخوف.

لأنها أدركت أن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا ليعلمونا كيف نحب…

ثم يتركوننا لنتعلم كيف نكمل وحدنا.


 

الجزء الثالث عشر: الغياب

اختفى آدم.

يوم.

يومان.

أسبوع.

لا رسائل.

لا مكالمات.

كانت ليان غاضبة، خائفة، ومكسورة.

لكنها هذه المرة لم تنهَر.

فتحت دفترها وكتبت:

“أنا أحبه، لكن حياتي لا تتوقف عليه.”

ثم أغلقت الدفتر.

وبدأت تكمل.

كان ذلك أصعب قرار اتخذته في حياتها.


 

الجزء الرابع عشر: أقوى مما ظنت

مرت الشهور.

نجحت ليان في دراستها.

بدأت تعمل على حلمها.

أصبحت تساعد أشخاصًا آخرين يشعرون بما شعرت به يومًا.

وأصبحت تضحك…

ليس لإخفاء وجعها.

بل لأنها أصبحت سعيدة فعلًا.

وفي يوم عادي جدًا…

وصلتها رسالة.

من آدم.

“ممكن نتكلم؟”

ظلت تنظر إلى الشاشة طويلًا.

ثم ابتسمت.

ليس لأنها احتاجته…

بل لأنها أدركت أنها لم تعد تلك الطفلة التي تخاف من الرحيل.


 

الجزء الخامس عشر: اللقاء

جلس آدم أمامها.

كان مختلفًا.

وهي أيضًا.

قال:

— “أنا آسف.”

سكتت.

— “اختفيت لأني كنت بحاول أواجه نفسي.”

قالت:

— “وأنا كنت بحاول أتعلم أعيش من غير ما أهرب من نفسي.”

ابتسم آدم.

— “نجحتي؟”

ضحكت.

— “لسه بحاول.”

قال:

— “وأنا كمان.”

ساد الصمت.

ثم قال:

— “ممكن نبدأ من جديد؟”

نظرت إليه ليان.

ثم قالت:

— “من جديد… بس مش من نفس المكان.”


 

الجزء السادس عشر: النهاية التي لم تكن نهاية

مرت السنوات.

لم تصبح حياة ليان مثالية.

ما زالت هناك أيام صعبة.

ما زالت بعض الذكريات تؤلمها.

لكنها لم تعد تهرب منها.

في أحد الأيام، فتحت ليان دفترها القديم.

قرأت أول جملة كتبتها:

“أنا بحاول.”

ابتسمت.

ثم كتبت تحتها:

“وها أنا وصلت… ليس لأنني لم أنكسر، بل لأنني في كل مرة انكسرت فيها، اخترت أن أجمع نفسي من جديد.”

رفعت رأسها نحو النافذة.

كانت الشمس تشرق.

وتذكرت الطفلة الصغيرة التي كانت تبكي وحدها.

همست:

“إحنا نجونا يا ليان.”

ولأول مرة…

لم تكن تبكي من الألم.

كانت تبكي من الفخر.

لأنها فهمت أخيرًا أن أفضل نسخة من أنفسنا لا تولد عندما تختفي كل جراحنا، بل عندما نتعلم كيف نعيش، ونحب، ونحلم رغم وجودها

image about رحلة البحث عنى













 



 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
ياسمين حسن تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

0

مقالات مشابة
-