كان ياما كان

كان ياما كان
مقدمة
«ليس كل ما نسمعه محض خيال، ولا تعني كل نهاية أن القصة قد انقضت حقاً... أحياناً تكون الحكاية في انتظارنا في العتمة، وأحياناً نكون نحن أجزاءً منها دون أن ندري.»
الفصل الأول: الساعة التي توقفت 1. مكالمة في منتصف الليل
كانت الساعة تشير إلى الثالثة والسابعة عشرة دقيقة بعد منتصف الليل. في الخارج، كانت قطرات المطر تطرق زجاج النافذة بعنف، وصوت الرعد يدوي ليحرك أركان المنزل القديم القابع في أقصى الشارع، وكأنه يحاول إيقاظ شيء كان غارقاً في نوم عميق لسنوات طويلة.
استلقى "آدم" على سريره ينظر إلى السقف، قبل أن يقطع الشكوك صوت رنين هاتفه المحمول المفاجئ. فتح عينيه بصعوبة وتناول الهاتف ليجد على الشاشة رداءة الرقم المجهول. ترك الهاتف يرن وهو يغمض عينيه منتظراً انقطاع الاتصال... رنة، رنتان، وثلاث.
وحين همّ بالرد، انقطعت المكالمة فجأة. تنفس آدم بصوت عالٍ وقلب الهاتف على شاشته، لكن قبل أن يعاوده النوم، أضاءت الشاشة بوزن رسالة نصية جديدة. فتحها ليقرأ:
«يا آدم، إذا سمعت صوت الساعة، حذارِ أن تفتح الباب.»
حدق في الرسالة بضعة ثوانٍ، ثم ابتسم بسخرية ومتمتماً لنفسه: «ما هذا العبث؟ من يتفرغ لصنع هذه المزحات في هذا التوقيت؟»
وكان على وشك إغلاق الهاتف، حين أتاه الصوت من أقصى الممر الضيق... صدى رنين عميق وواضح: «دوونغ...»
اعتدل آدم في جلسة سريره ومقلاقة عينيه متجهة نحو باب الغرفة. تكرر الصوت من جديد: «دوونغ...». المشكلة الغريبة أن البيت لا يحتوي على أي ساعة جدارية تعمل، باستثناء ساعة واحدة فقط: ساعة جده القديمة المودعة في غرفة مغلقة لم يطأها أحد منذ وفاة الجد قبل أكثر من عشر سنوات.
قام آدم من سريره، وانتدى انتعال حذائه الإسفنجي، ومسك هاتفه مفعّلاً كشافه الضوئي. خرج نحو الممر المظلم، وكان يتملكُه شعور غريب بأن جدران البيت أصبحت أكثر اتساعاً وأن المسافة بين غرفته وتلك الغرفة المهجورة تبدو بلا نهاية. ومع كل خطوة يخطوها، كان صوت المطر بالخارج يتضاءل حتى خمد تماماً.
وقف أمام باب الغرفة. رأى خطاً ضوئياً أحمر خافتاً ينبعث من أسفل الباب، مصحوباً بدقات الساعة الصادرة من الداخل. وفجأة، اهتز هاتفه برسالة ثانية من الرقم المجهول ذاته:
«قلت لك... لا تفتح الباب.»
تراجع آدم خطوة إلى الخلف. وفي تلك اللحظة بالذات، انطلق من داخل الغرفة صوت امرأة عجوز... صوت يعرفه جيداً؛ إنه صوت جدته الراحلة منذ ثلاث سنوات: — «آدم... يا حبيبي.»
خفق قلبه بعنف، وجمدت دماء في عروقه. وتابع الصوت يناديه: — «آدم، افتح الباب... أنا بانتظارك.»
شعر بثقل شديد في قدميه، وهمس بصوت مرتجف: «تيتا؟» لم يأتِه رد، بل عاد الصوت يتردد بنبرة أهدأ: «اشتقت إليك يا حبيبي». مد يده نحو مقبض الباب، لكنه توقف قبل أن تلمسه أنامله. تذكر الرسالة، وتذكر وفاة جدته... وتذكر أمراً أكثر أهمية: جدته لم تكن تناديه باسمه المجرد أبداً؛ كانت تدلله دائماً بـ "دودي".
لكن الصوت القابع خلف الباب عاد ليقول: — «آدم... افتح.»
وفجأة، انطلقت نبرة الصوت لتردد جملة لم ينسَها قط، كان يستمع إليها كل ليلة في طفولته: — «كان ياما كان... في سالف العصر والأوان...»
همس آدم لنفسه بذهول: «مستحيل...» أكمل الصوت من الداخل: — «كان هناك ولد اسمه آدم... وفي يوم من الأيام، فتح باباً كان يفترض أن يظل مغلقاً.»
تحرك المقبض بمفرده، وبدأ الباب يتحرك إلى الداخل ببطء شديد. تراجع آدم خطوة أخرى، وحملق في الفتحة السوداء التي تأخذ في الاتساع أمامه، منبعثاً منها ضوء أحمر غريب. وصدرت الجملة الأخيرة من داخل الغرفة: — «لكن هذه المرة... لن تنتهي الحكاية كما انتهت في المرة السابقة.»
2. الغرفة القديمة
كان آدم أمام خيارين: إما العودة إلى غرفته واعتبار ما حدث مجرد كابوس، أو دخول الغرفة واكتشاف حقيقة ما يجري. غير أن الفضول كان أعتى من الخوف؛ فدفع الباب بيده ودخل.
كانت الغرفة مشبعة بالغبار، ورائحة الخشب القديم تملأ الأرجاء. مكتبة ضخمة تغطي الحائط بأكمله، ومكتب صغير في الزاوية علقت فوقه صور قديمة لجده وجدته. وفي منتصف الغرفة، كانت تقف الساعة الضخمة المصنوعة من الخشب البني الداكن المزين بنقوش غريبة لم يلاحظها من قبل.
كانت عقارب الساعة تتحرك في اتجاه عكسي لمسار الزمن. اقترب آدم منها بوجل؛ العقرب الصغير يدور بسرعة، بينما العقرب الكبير يزحف ببطء شديد. وفجأة، توقفت عقارب الساعة تماماً عند التوقيت: 3:18.
التفت آدم حوله، فاسترعت انتباهه صورة قديمة موضوعة فوق المكتب. التقطها، فرأى جده وجدته يقفان أمام البيت وبينهم طفل صغير. وقرب الصورة من عينيه؛ كان الطفل يشبهه بشكل مريب: الشعر نفسه، العيون ذاتها، وحتى العلامة الصغيرة أسفل عينيه اليمنى!
قلب الصورة، ليرى بخط جده الواضح:
«إلى آدم... عندما تتذكر الحكاية صاحبها.»
سرى سرد من البرودة في جسده. هذه الصورة لا يمكن أن تكون حقيقية؛ فقد توفي جده قبل أن يبلغ آدم عامه الخامس، بينما تبدو الصورة أقدم من ذلك بكثير. وفجأة، اهتز زجاج الصورة، وسمع همساً من خلفه لطي الملامح: — «لا تنظر إلى الخلف...»
كان الصوت لطفل صغير. وتابع الصوت: — «إن نظرت... ستنسى.»
أغمض آدم عينيه وألقى الصورة على المكتب. وعندما فتحهما مجدداً، كانت الغرفة ساكنة، لكن الطفل في الصورة قد اختفى تماماً، وتاركاً إياها فارغة!
تراجع آدم للخلف، ليسمع دقات طرقات ثلاث على الباب الرئيسي للمنزل. ثم انطلق صوت رجل غريب ينادي من الخارج: — «سيد آدم؟ افتح، معي شيء يخص جدك.»
هرع آدم نحو الباب الرئيسي ونظر عبر العين السحرية. كان هناك رجل طويل القامة يرتدي معطفاً أسود، يحمل صندوقاً خشبياً صغيراً، وجهه شاحب وعيناه مثبتتان بتركيز مريب. فتح آدم الباب فتحة صغيرة وسأل: «من حضرتك؟»
نظر الرجل إليه وقال: — «اسمي يونس. وأنا آخر من رأى جدك قبل وفاته.»
تردد آدم: «هل تعرف جدي؟» — «أكثر مما تتخيل.»
قدم يونس الصندوق نحو آدم قائلاً: — «ترك هذا لك جدك، وأوصاني أن أسلمك إياه في أول ليلة تسمع فيها صوت الساعة.»
نظر آدم إلى الصندوق ليجد عليه الرمز نفسه المحفور أعلى الساعة الجدارية: دائرة داخلها باب صغير. وسأل بتعجب: «وهل كان جدي يعلم أن هذا سيحدث؟»
سكت يونس لحظة ثم نظر خلفه نحو الشارع وقال: — «كان يعلم أنك ستسمع النداء... لكنه لم يكن يعلم إن كنت ستختار الاستجابة أم لا.»
تناول آدم الصندوق. وعندما رفع عينيه ليسأله سؤالاً آخر، كان يونس قد اختفى تماماً من أمام الباب! لم يبتعد مشياً ولا ركضاً، بل تلاشى وكأنه لم يكن موجوداً. أقفل آدم الباب بسرعة ونظر من النافذة؛ كان الشارع خالياً، لكن على الأرض أثار خطوات مبللة تبدأ من منتصف الشارع وتنتهي عند باب المنزل دون أي أثر للعودة!
الفصل الثاني: الصندوق الأسود 1. الرسالة الأخيرة
عاد آدم إلى غرفته ووضع الصندوق المصنوع من الخشب الأسود فوق المكتب. لم يكن بالصندوق أي قفل ظاهر. وعندما لمست أصابعه الرمز الفضي المنقوش على غطائه، سرت برودة غريبة في أطرافه، فانفتح الصندوق تلقائياً.
كان بالداخل ثلاثة أشياء: مفتاح نحاسي قديم، ورقة مطوية، وشريط كاسيت صغير كُتب عليه اسمه. تطول آدم الورقة وفتحها، ليقرأ بخط جده:
«آدم، إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فهذا يعني أنني فشلت في حمايتك من الحقيقة. لا تثق بأي شخص يخبرك أنه يعرف الحكاية كاملة. والمفتاح الذي في الصندوق لا يفتح باب بيتنا، ولا أي باب في العالم الذي تعرفه؛ إنه يفتح المكان الذي بدأت منه كل الحكايات. تذكر جيداً: ليس كل من ماتوا رحلوا، وليس كل الأحياء ولدوا. وإذا قابلت الرجل الذي لا ظل له، فاهرب... مهما أدعى أنه يعرفني.»
توقف آدم عن القراءة ورفع عينيه نحو الحائط. كان ضوء المصباح يلقي بظله على الجدار، لكن عندما ألقى نظرة أخرى نحو الصندوق، لاحظ وجود ظل آخر لشخص طويل يقف خلفه تماماً!
التفت بسرعة... لم يكن هناك أحد! وعندما عاد بنظره إلى الحائط، كان الظل الثاني قد اختفى. في تلك اللحظة، عادت الساعة القديمة في الممر لتدق من جديد: «دوونغ...»
تناول آدم شريط الكاسيت، وأحضره من جهاز التسجيل القديم الذي ورثه عن جده والمحتفظ به فوق الدولاب. وضع الشريط وضغط زر التشغيل. ساد تشويش في البداية، ثم انطلق صوت جده المتوتر: — «آدم... إن كنت تسمعني الآن، فالوقت ينفد. هناك شيء يجب أن تعرفه: أنت لست أول شخص في عائلتنا يسمع صوت الساعة... أنت لست آدم الأول!»
سكت التسجيل لحظات، ثم واصل جده: — «في كل مرة تبدأ الحكاية من جديد، يظهر آدم جديد. لكن هذه المرة ثمة شيء قد تغير... هذه المرة أنت تتذكر! إن أردت معرفة الحقيقة، فابحث عن الفتاة التي نسيت اسمها؛ فهي الوحيدة التي تستطيع فتح الباب من الناحية الأخرى.»
انقطع الصوت بفرقعة مفاجئة، وأضاءت الشاشة الصغيرة بجهاز التسجيل بأرقام تتصاعد متتالية: 1.. 2.. 3.. حتى استقرت عند الرقم 27! همس آدم برعب: «سبعة وعشرون ماذا؟!»
وانبعث ضحك طفل صغير من التسجيل، تلاه صوت يقول: — «هذه المرة... كن مستيقظاً يا آدم.»
انطفأ النور فجأة، وسمع آدم صوت الباب الرئيسي يفتح، وخطوات بطيئة وثابتة تدخل البيت! ثم انهمس صوت غريب من نهاية الممر: «أخيراً... وجدتك.»
2. الرجل الذي لا ظل له
تسمر آدم في مكانه عاجزاً عن الحركة. اقتربت الخطوات، حتى ظهر عند باب الغرفة رجل طويل يتأنق ببدلة رمادية داكنة. كان شعره أبيض رغم ملامحه التي لا تبدو عليها علامات الكبر. لكن الشيء الذي جعل قلب آدم يتوقف خوفاً... هو أن الرجل لم يكن له ظل على الإطلاق، رغم أن ضوء المصباح مصوب نحوه!
ابتسم الرجل وقال: «مساء الخير يا آدم.» تراجع آدم للوراء متلعثماً: «من أنت؟ وكيف دخلت إلى هنا؟»
نظر الرجل إلى الصندوق وقال: «وصلك الصندوق إذاً؟» خبأ آدم الصندوق خلف ظهره وصرح: «اخرج من هنا!»
ضحك الرجل ضحكة خفيفة وقال: «ألم يخبرك جدك ألا تثق بأحد؟» — «هل تعرف جدي؟» — «كنت صديقه... قبل أن يقرر خيانة الحكاية.» — «خيانة ماذا؟!»
اقترب الرجل خطوة، فتملك آدم صداع مفاجئ، وصور غريبة بدأت تنهال على ذهنه: شارع قديم، باب أسود، وطفل يركض وسط الضباب، وصوت امرأة تصرخ: «لا تدع الحكاية تنتهي!»
أمسك آدم رأسه صائحاً: «ماذا تفعل بي؟!» أجاب الرجل بهدوء: «أنا فقط أذكرك.»
وفجأة، دقت الساعة في الممر: «دوونغ...» اختفت ابتسامة الرجل ونظر نحو اتجاه الصوت وقال: «الوقت ليس في صالحنا.»
استغل آدم هذه اللحظة واندفع نحو الباب للخروج، لكن الرجل قال قبل أن يغادر: — «اسأل نفسك سؤالاً واحداً يا آدم: إن كنت قد ولدت قبل عشرين عاماً... فمن كان آدم الذي قبلك؟»
التفت آدم بسرعة، لكن الرجل كان قد اختفى، والباب الرئيسي مقفول، وكأن أحداً لم يدخل البيت قط! غير أن ورقة جديدة كانت موضوعة بجوار الصندوق كُتب فيها:
«ميدان الساعة القديمة. غداً، الساعة 12 ليلاً... تعال إن أردت معرفة اسم الفتاة.»
الفصل الثالث: الباب المفقود 1. الفتاة التي نسيت اسمَها
في اليوم التالي، لم يذهب آدم إلى الجامعة، وقضى نهاره في الغرفة يحاول استيعاب ما جرى. فتح الصندوق ورجع للرسالة والتسجيل مراراً وتكراراً حتى حفظ كل كلمة.
مع الاقتراب من الحادية عشرة ليلاً، ارتدى سترة سوداء، ووضع المفتاح النحاسي في جيبه، وخرج متوجهاً نحو ميدان الساعة القديمة القابع في أطراف المدينة المجهورة. كانت الأسطورة تقول إن الساعة في ذاك الميدان لم تتحرك عقاربها منذ يوم تشييدها، وأن من يقف تحتها بمنتصف الليل يسمع أحداً يناديه باسمه.
وصل آدم الميدان عند الساعة 11:57. الشارع كان خاوياً، المحال مغلقة، والضباب يغلف المكان. وقف تحت الساعة الكبيرة يراقب هاتفَه: 11:59.
وفجأة، أتاه صوت فتاة من خلفه: «لقد تأخرت.»
التفت آدم ليرى فتاة في مثل عمره تقريباً، ترتدي سترة بنيّة ذات شعر أسود طويل، وفي عينيها الخوف. سألها: «من أنتِ؟» ردت بحزن: «لا أتذكر.» — «كيف يعني لا تتذكرين؟» — «أتذكر كل شيء... إلا اسمي.»
تذكر آدم رسالة جده: "ابحث عن الفتاة التي نسيت اسمها". فسألها: «هل تعرفين جدي؟»
اقتربت منه وقالت: «أنا أعرفك أنت.» وأخرجت صورة قديمة من حقيبتها لفتى وفتاة صغيرين يقفان أمام باب أسود. تناول آدم الصورة ليرى أن الفتى هو نفسه، والفتاة هي التي تقف أمامه! لكن الصورة التقاطها يعود لأكثر من عشرين عاماً!
— «هل كنا أصدقاء؟» هزت رأسها وقالت: «كنا أصدقاء... في حكاية أخرى.»
وقبل أن يستفسر، دقّت ساعة الميدان معلنةً منتصف الليل: «دوونغ!»
اهتزت الأرض تحت قدميهما، وتجمع الضباب في الميدان ليتشكل منه باب أسود ضخم قائم بذاته وسط الفراغ؛ إنه الباب نفسه الموجود في الصورة.
أمسكت الفتاة بيده وقالت: «يجب أن نسرع قبل أن يصل!» لكن الخطوات كانت قد اقتربت... وكان الرجل الذي لا ظل له يقف تحت عمود النور البعيد يبتسم: «كنت أعلم أنك ستأتي.»
سحبت الفتاة آدم نحو الباب وقالت: «افتحه!» أخرج آدم المفتاح ويداه ترتجفان، أدخله في القفل وأداره... ليفُتح الباب على عالم آخر تماماً: سماء بنفسجية، أرض مشبعة بالشقوق المضيئة، ومبانٍ قديمة تطوف في الهواء وكأن لا وجود للجاذبية!
دفعت الفتاة آدم إلى الداخل، وقبل أن يغلق الباب خلفهما، صرخ الرجل الذي لا ظل له من الخارج: — «إن دخلتما... لن تستطيعا العودة أبدًا!»
وانغلق الباب، ليختفي العالم خلفهما تماماً.
2. المدينة التي نسيَها الزمن
فتح آدم عينيه ليجد نفسه يقف على أرض حجرية باردة في شارع واسع تتراصف فيه مبانٍ ذات نوافذ تنبعث منها أضواء زرقاء خافته. السماء في الأعلى تكتظ بنجوم تتحرك ببطء وكأنها تدور حول شيء غير مرئي.
سأل آدم الفتاة الواقفة بجواره: «أين نحن؟» أجابت: «في المكان الذي تأتي منه الحكايا... كل وعد صادق لم ينفذ، وكل ذكرى حاول أحدهم نسيانها، تترك أثراً هنا.»
ثم سألها: «وكيف وصلتِ إلى هنا؟» فنكست رأسها وقالت: «آخر ما أتذكره هو أنني كنت أركض، وأنت تنادي عليّ قائلًا: انتظريني! لا تتركيني!»
وفجأة، أضاءت نوافذ المباني واحدة تلو الأخرى، وفتحت الأبواب مع صوت همسات تتعالى بأسماء أشخاص شتى... وكان بينها اسم "آدم" يتردد بأصوات متعددة! صوت عجوز يقول: «لقد عاد مجدداً...» وصوت طفل يجيب: «لكنه يتذكر هذه المرة!»
سحبت الفتاة يده وقالت: «لا وقت لدينا، يجب أن نصل إلى المكتبة قبل أن تدق الساعة ثلاث مرات.»
ركضا وصعدا سلالم حجرية طويلة حتى وصلا إلى باب خشبي مكتوب عليه: «مكتبة الحكايات المنسية». وحين وضع آدم يده على الباب ليفتحه، سمع صوت جده يناديه من الناحية الأخرى: — «آدم... انتظر! قبل أن تدخل، يجب أن تعرف أن الفتاة التي معك... هي السبب في موتك في المرات السبع والعشرين الماضية!»
الفصل الرابع: الحكاية لم تنتهِ 1. الحقيقة التي ادّفنت
تراجع آدم عن الباب ونظر إلى الفتاة. كانت واقِفة بملامح شاحبة وعينين تفيضان بالدموع. سألها بصوت مكسور: «هل هذا صحيح؟»
غمضت عينيها وقالت: «أنا لا أعرف كل شيء... لكن في كل مرة، كنتَ تحاول إنقاذي يا آدم... تنقذني من الحكاية نفسها!»
وفجأة انفتح الباب ليظهر منه رجل عجوز يرتدي معطفاً بنيّاً ويحمل كتاباً ضخماً. قال بهدوء: «لا تخف يا آدم، أنا سليم... أمين مكتبة الحكايات.»
فتح سليم الكتاب؛ كانت صفحاته فارغة تماماً، ثم قلب بضع صفحات ليستقر عند صفحة كُتب فيها اسم "آدم" وتحته سبعة وعشرون تاريخاً مختلفاً، وتنتهي جميعها بالجملة ذاتها:
«اختار آدم إنقاذها... واختفت الحكاية.»
قال سليم: «في كل مرة تموت فيها، يُعاد كتابة الزمن لتبدأ الحكاية من جديد. لقد حاولت تغيير النهاية الأصلية يا آدم.»
أخرج آدم المفتاح النحاسي وسأل: «وماذا يفتح هذا المفتاح؟» أشار سليم إلى باب أسود صغير في أقصى المكتبة عليه الرمز ذاته: «هذا باب الحكاية الأولى... لو فتحته، ستعرف كل شيء، ستعرف من أنت، ومن هي، ولماذا يعود الزمن في كل مرة.»
اقترب آدم ليضع المفتاح في القفل، لكن صوت الرجل الذي لا ظل له أتاهم من الخلف: «أخيراً... وصلتم.»
انطفأت الأنوار واهتزت الأرفف لتتطاير الصفحات في الهواء. تقدم الرجل نحو آدم وقال: «افتح الباب يا آدم، وأنا أعدك أن كل شيء سيعود كما كان.»
صرخ سليم: «لا تصدقه! هو لا يريد النهاية... هو يريد محو البداية!»
تطلعت الفتاة إلى آدم وقالت بابتسامة حزينة: «افتح الباب يا آدم... لكي تتذكرني.»
أدار آدم المفتاح في القفل، ليتلاشى المكان، والمدينة، والرجل، وحتى الفتاة في نور أبيض ساطع!
2. الاسم الأخير
وجد آدم نفسه يستفيق في مكان أبيض واسع فارغ تماماً، لا يوجد فيه سوى كرسي خشبي فوقه ساعة صغيرة. وعلى الكرسي يجلس جده.
اقترب آدم منه وقال: «جدي؟ أستحلفك أن تفهمني... ما الذي يحدث؟» أشار الجد إلى كرسي مجاور وقال: «اجلس يا آدم.»
جلس آدم، فبدأ الجد يصرد: — «منذ سنوات طويلة، كتبت حكاية في هذا المكان عن ولد وفتاة كانا صديقين وتعاهدا ألا يفترقا أبداً. لكن الحكاية تغيرت واختفت الفتاة، وكلما حاول الولد إعادتها، كان الزمن يعود إلى البداية.»
همس آدم: «والولد... كان أنا؟» أومأ الجد برأسه: «نعم.» — «والفتاة؟»
سكت الجد لحظة ثم قال: «كان اسمها ليلى.»
اخترق الاسم قلب آدم كذكرى استردها فجأة: «ليلى... أنا أتذكرها!» ابتسم الجد بحزن وقال: «لأن هذه أول مرة تتذكر فيها اسمها. والان عليك الاختيار يا آدم: إما أن تدع الحكاية تنتهي وتتحرر أنت وهي من هذه الدائرة، أو أن ترجع لتعيشها من جديد من البداية... لكنك ستنسى كل شيء.»
تذكر آدم صوت الساعة، الصندوق، الفتاة التي كانت تركض معه، والعهد القديم. فتح عينيه وقال بصلابة: «لن أتركها وحدها مجدداً.»
ودقت الساعة الصغيرة: «دوونغ...»
3. بعد النهاية
فتح آدم عينيه ليجد نفسه نائماً في سريره. ضوء الشمس يتسلل من الشباك، وصوت السيارات يتردد في الشارع. كانت الساعة تشير إلى 8:30 صباحاً.
قام بسرعة ونظر حوله... كل شيء طبيعي؛ لا صندوق، لا مفتاح، ولا ساعة قديمة تدق. خرج إلى المطبخ ليجد أمه تحضر الفطور. قالت له: «صباح الخير يا آدم، ستتأخر على الجامعة.»
سألها آدم بوجل: «أمي... هل كان لجدي ساعة قديمة؟» توقفت أمه لحظة وقالت: «نعم، كانت لديه ساعة كبيرة في الغرفة القديمة... لماذا تسأل؟»
لم يجيبها آدم وعاد إلى غرفته. فتح درج المكتب ليعثر على كراسة قديمة فتحها، وفي الصفحة الأولى منها كُتب بخط يده:
«كان ياما كان...»
قلب الصفحة، ليجد صورة صغيرة لفتاة صغيرة تقف أمام باب أسود، وتحتها اسم واحد مكتوب بخط واضح: ليلى.
ابتسم آدم ابتسامة خفيفة... وفجأة، اهتز هاتفه برسالة نصية من رقم مجهول. فتحها ليقرأ:
«صباح الخير يا آدم... هل تذكرني؟»
نظر آدم إلى الصورة، ثم كتب مجيباً:
«أجل... أذكركِ.»
وبعد ثوانٍ، وصلته رسالة ثانية:
«جيد... لأن الحكاية لم تنتهِ بعد.»
رفع آدم عينيه نحو النافذة؛ وفي أقصى الشارع، كان يقف رجل طويل يرتدي معطفاً أسود تحت عمود النور... بلا ظل.
هل كانت هذه النهاية... أم بداية حكاية جديدة؟
please login to be able to comment