أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

رواية الدرج المقفول: الجزء الأول | سرّ ماجد الذي أخفاه الأب

ما سر رواية الدرج المقفول التي تبدأ باكتشاف طلال صورة طفل يشبهه تمامًا في مكتب والده الراحل؟ اقرأ الجزء الأول الآن.

محمد قنبسمحمد قنبسالكاتب 7 د للقراءة 0.00 المراجعات
رواية الدرج المقفول: الجزء الأول | سرّ ماجد الذي أخفاه الأب
image about رواية الدرج المقفول: الجزء الأول | سرّ ماجد الذي أخفاه الأب

الجزء الأول: الدرج المقفول

كان المكتب القديم يحتفظ برائحة والده كما هي: خليط من العود والورق العتيق وقهوة لم تُشرب منذ شهرين. وقف طلال عند الباب لحظة قبل أن يدخل، كما يفعل كل مرة، وكأنه ينتظر إذنًا من أحد.

مرّ على وفاة أبيه، عبدالعزيز، ستون يومًا بالتمام. ستون يومًا وطلال يتحاشى هذه الغرفة. لكن أخاه فيصل اتصل به عصر ذلك الخميس، وقال بنبرة من يريد إنهاء الأمر:

«يا طلال، لازم نخلص أغراض الوالد. بعضها نوزعه على الأقارب، وبعضها نتصدق فيه. أنت أقرب واحد له، رتّب المكتب وقل لي وش تبي منه.»

قال طلال: «أبشر». لكنه لم يكن مستعدًا فعلًا.

أشعل الإضاءة الصفراء الخافتة، فظهرت الغرفة كما تركها أبوه: المكتب الخشبي الثقيل، الكرسي الجلدي المتشقق عند الذراعين، وخلفه رفوف مزدحمة بكتب الفقه والتاريخ ودفاتر الحسابات القديمة. على الجدار ساعة عتيقة ما زالت تدق، وفي الزاوية خزانة حديدية صغيرة خضراء اللون.

جلس على الكرسي، فتنهّد الجلد تحته بصوت مألوف. وفجأة عاد إليه كل شيء دفعة واحدة.

رأى نفسه في العاشرة، واقفًا عند هذا الباب نفسه بعد أن رسب في اختبار الرياضيات، يخفي الورقة خلف ظهره. كان أبوه جالسًا هنا، ونظارته على جبينه، يكتب في دفتر الحسابات. لم يرفع رأسه. قال فقط: «قول وش عندك يا وليدي، وأنا أسمعك.»

سلّمه الورقة بيد مرتعشة، وانتظر الصراخ. لكن أباه قرأ الدرجة، ثم وضعها جانبًا، وسحب كرسيًا صغيرًا وأجلسه بجانبه. قال: «الرياضيات ما هي موهبة يا طلال، هي صبر. تعال نحلّها مع بعض.» وجلسا حتى بعد العشاء، أبوه يشرح بالقلم على ظهر فاتورة قديمة، وطلال يهزّ رأسه وهو ما يفهم شيئًا، لكنه لم يشعر يومًا أنه أكثر أمانًا من تلك الليلة.

وتذكّر رائحة العود حين كان أبوه يدخّن به المجلس قبل وصول الضيوف، ويده الكبيرة الخشنة وهي تمسح على رأسه دون كلام. وتذكّر أنه في كل سنة، في أواخر الشتاء، كان أبوه يختفي أسبوعًا كاملًا بحجة «سفرة عمل». يعود بوجه متعب وعينين ثقيلتين، ويجلس في هذا المكتب ساعات لا يخرج منه، ثم يعانق طلال أكثر مما يعانقه في بقية السنة، ولا يشرح شيئًا.

يومها كان طلال صغيرًا، فلم يسأل. وحين كبر، ظنّها مجرد طباع رجل كتوم.

مسح عينيه بظهر كفه وقال لنفسه بصوت خافت: «يلا، ما في وقت للضعف.»

بدأ بالرف الأول. أخرج الكتب واحدًا واحدًا، ينفض عنها الغبار ويضعها في صندوق كرتوني. ثم انتقل إلى الأدراج. الأول فيه أقلام وأوراق فاتورة قديمة، والثاني فيه دفاتر حسابات بخط أبيه المنمّق، والثالث فيه علب دواء منتهية وسبحة خشبية وساعة يد معطلة.

عند الدرج الرابع توقف.

كان الدرج السفلي الأيمن، وهو مقفول.

جرّبه طلال بلا اهتمام أول مرة، ثم جرّبه ثانية بشيء من الفضول. لم يتحرك. كان قفله نحاسيًا صغيرًا ومصقولًا أكثر من باقي أجزاء المكتب، كأن أحدًا يلمسه باستمرار.

عقد حاجبيه. عاش ثلاثين سنة في هذا البيت، وكان يعتقد أنه يعرف كل زاوية فيه، لكنه لم يتذكر أن أباه أغلق درجًا في المكتب يومًا. أبوه لم يكن رجل أسرار. كان يترك محفظته على الطاولة ومفاتيح سيارته عند الباب وهاتفه أينما اتفق.

قال بصوت مسموع: «وش هذا الحين؟»

بحث عن المفتاح. فتّش الأدراج الأخرى وجيوب الثوب المعلّق خلف الباب وعلبة الأقلام. لا شيء. جلس على الأرض وأسند ظهره إلى المكتب، وحدّق في القفل، ثم لمعت في رأسه فكرة.

رفع رأسه نحو الجدار. كانت هناك لوحة صغيرة لآية الكرسي بإطار خشبي داكن، معلّقة فوق المكتب منذ سنوات. وقف وأنزلها بحذر، وقلبها.

كان خلف الإطار، ملصوقًا بشريط لاصق قديم اصفرّ لونه، مفتاح نحاسي صغير.

سرت في جسده برودة خفيفة رغم أن الغرفة دافئة. قال في نفسه: «يعني كان يخبيه. أبوي كان يخبي شي.»

جلس على الأرض من جديد، وأدخل المفتاح في القفل، فدار بنعومة غير متوقعة، كأنه اعتاد على اليد التي تديره. انفتح الدرج بصوت خافت.

لم يكن فيه كثير. دفتر جلدي صغير بلا عنوان، وعلبة معدنية قديمة كانت تحتفظ يومًا بحلوى، وظرف كبير مصفرّ الحواف موضوع في القاع.

التقط طلال الظرف أولًا. كان خفيفًا وناعمًا بين أصابعه من كثرة ما لُمس. قلبه فرأى على الوجه الآخر سطرًا واحدًا بخط أبيه، لكنه أكثر رجفة من خطه المعتاد:

«لأمّه... إن كبر وسأل عني.»

قرأها طلال ثلاث مرات. لأمّه؟ أمّ من؟ وإن كبر من هذا الذي يسأل عن أبيه؟

كان قلبه يدق بقوة حتى سمع نبضه في أذنيه. حاول أن يقنع نفسه بتفسير بسيط: ربما رسالة لأحد الأقارب، ربما وصية قديمة، ربما...

لم يكمل الفكرة. فتح الظرف.

خرجت منه أولًا صورة صغيرة بإطار أبيض، قديمة الألوان كما تكون صور التسعينات. كانت لطفل في الخامسة أو السادسة، واقف أمام سيارة زرقاء، يبتسم للكاميرا ابتسامة فيها فجوة بين أسنانه الأمامية. شعره أسود كثيف ومسرّح إلى الجهة اليمنى، وحاجباه مرفوعان قليلًا، وفي خده الأيسر غمّازة صغيرة.

تجمّد طلال.

لم يكن يشبهه الطفل فحسب، بل كان هو نفسه. الابتسامة نفسها، والغمّازة نفسها، وحتى الطريقة التي يميل بها رأسه. كأنه ينظر إلى صورة قديمة له، لكنه يعرف أنه لم يقف يومًا أمام تلك السيارة الزرقاء، ولم تكن تلك ملابسه، ولا ذلك المكان مكانه.

قلب الصورة بيد ترتجف. على ظهرها، بخط أبيه أيضًا، كتب:

«ماجد. ١٤ / ٣ / ١٩٩٢.»

وقف طلال فجأة، وترنّح قليلًا قبل أن يستند إلى المكتب. حسب في رأسه بسرعة. هو وُلد عام ١٩٩٤، أي بعد هذا التاريخ بسنتين بالضبط.

وكان لا يعرف أحدًا اسمه ماجد.

لا في العائلة، ولا بين الأعمام والأخوال، ولا بين أصدقاء أبيه الذين حضروا العزاء. كان فيصل أخاه الأكبر، ثم طلال، ثم نورة أخته الصغرى. هذا كل شيء. هذا كل ما يعرفه عن نفسه وعن عائلته.

قال بصوت بالكاد يسمعه: «مو معقول... ما يمكن...»

عاد إلى الظرف وأخرج ما تبقى فيه: ورقة مطوية مرتين. فتحها بحذر كأنها قد تتفتت بين يديه. كانت بخط أبيه، لكنها لا تحمل سوى كلمة واحدة في منتصف الصفحة، بأحرف كبيرة مرتجفة، كتبها رجل لم يكن يعرف كيف يكمل الجملة:

«سامحني.»

لا اسم بعدها، ولا توقيع، ولا تفسير.

جلس على الأرض من جديد، والظرف في حجره والصورة في يده. حاول أن يتنفس ببطء. وفي رأسه كانت الصور القديمة تتبدل بمعنى جديد. سفرات أبيه السنوية في آخر الشتاء، هل كانت إلى ذلك الطفل؟ صمته المفاجئ في المجالس حين يُسأل عن شبابه. وأسابيعه الأخيرة على السرير، وهو يمسك يد طلال ويحدق فيه طويلًا، ثم يقول بصوت مبحوح: «سامحني يا وليدي... سامحني على كل شي.»

يومها ظن طلال أنه هذيان مرض، وقال له: «الله يشفيك يا يبه، ما عليك شي.»

لم يكن هذيانًا.

سمع خلفه صريرًا خفيفًا.

التفت ببطء. كان باب المكتب قد انفتح، ووقفت أمه عند العتبة.

أم طلال، لطيفة، امرأة في أواخر الخمسينات، ما زالت ترتدي عباءة الحداد السوداء منذ شهرين ولا تخلعها إلا للنوم. كانت تحمل في يدها كوب شاي، ثم لاحظ طلال أن الكوب يهتز في يدها، وأن الشاي بدأ يسيل على حافته.

كانت عيناها مثبتتين على الظرف بين يديه. ولون وجهها، الذي عرفه دائمًا دافئًا وحنونًا، صار شاحبًا كورق الجدار.

قالت بصوت خافت، بالكاد يخرج من حلقها:

«طلال... وش تسوي؟»

وقف ببطء، ومدّ يده بالصورة نحوها، ولم يعرف كيف يبدأ. قال:

«يمّه، هذا... هذا كان في درج أبوي المقفول.»

لم تجب. لم تنظر إلى الصورة. كانت تنظر إلى وجهه هو، كأنها تراه للمرة الأولى، أو كأنها تراه للمرة الأخيرة.

قال بصوت أعلى قليلًا، وقد بدأ الغضب يختلط بالخوف:

«يمّه، من هذا الولد؟ وليش يشبهني؟ وليش أبوي كاتب له 'سامحني'؟»

سقط الكوب من يدها. تحطّم على الأرض وانتشر الشاي على السجادة القديمة، ولم تلتفت لطيفة إليه.

همست وهي تتراجع خطوة إلى الخلف، وعيناها تلمعان بالدموع:

«الله يسامحك يا عبدالعزيز... قلت لك تحرقها... قلت لك تحرقها قبل لا تموت...»

وقف طلال بلا حراك، والصورة ترتجف في يده، وحدها الساعة الجدارية استمرت تدق، ثانية بعد ثانية، كأنها تعدّ الوقت الذي تبقّى قبل أن ينكشف كل شيء.

يتبع في الجزء الثاني...

 


 

تابع جديد محمد قنبس

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق