في هذا المقال

كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً.
الغرفة حالكة السواد، والهدوء يملأ المكان لدرجة أنني كنت أسمع صوت أنفاسي بوضوح، وحتى دقات قلبي بدت وكأنها أعلى من المعتاد. كانت واحدة من تلك الليالي الثقيلة التي تشعر فيها أن كل شيء أصبح أكبر من قدرتك على الاحتمال، وأن المشاكل التي تبدو عادية في الصباح تتحول بعد منتصف الليل إلى جبال ضخمة لا تعرف كيف تتجاوزها.
جلست على طرف السرير وأنا أمسك هاتفي بلا هدف. أفتح تطبيقاً وأغلقه، أقلب بين الصور، ثم أعود إلى الشاشة الرئيسية من جديد. لم أكن أبحث عن شيء محدد، لكنني في الوقت نفسه لم أكن أريد أن أضع الهاتف جانباً.
ربما لأن الصمت كان مخيفاً أكثر من أي شيء آخر.
لم تكن لدي طاقة للحديث مع أحد، وفي المقابل لم أكن أريد أن أبقى وحيداً مع كل الأفكار التي تدور في رأسي. كل شيء كان يبدو مغلقاً، وكأن هذه الليلة لن تنتهي أبداً.
وفجأة…
أضاءت شاشة الهاتف.
وصلت رسالة جديدة على واتساب.
نظرت إلى الرقم باستغراب. لم يكن مسجلاً عندي، ولا توجد صورة شخصية أو اسم واضح يمكن أن يخبرني بمن يقف خلفه.
قلت لنفسي بسخرية: ربما رقم أخطأ في الإرسال، أو رسالة عادية لا علاقة لها بي.
فتحت المحادثة.
لكن أول سطر قرأته جعلني أتوقف تماماً.
كانت الرسالة تقول:
“عارفة إن دماغك مأكلاك من التفكير دلوقتي، وإن العتمة تقيلة على قلبك.. بس متستسلمش. بكرة الصبح فيه تفاصيل صغيرة ممكن تفرحك، وضحكة ممكن تنسيك جزء كبير من السواد ده كله. كمل، وبلاش تنام وأنت زعلان من نفسك.”
فضلت أبص للشاشة لثوانٍ طويلة.
لم أفهم شيئاً.
كيف يمكن لشخص مجهول أن يكتب لي كلاماً يشبه تماماً ما كنت أشعر به في تلك اللحظة؟
هل أرسلها بالخطأ؟
هل تعرفني؟
هل كانت الرسالة موجهة إلى شخص آخر؟
أم أن هناك شيئاً لا أفهمه؟
كتبت بسرعة:
“إنتِ مين؟ ورقمى جبتيه منين؟ وليه بعتيلي الكلام ده أنا بالذات؟”
ظهرت علامة الكتابة بعد ثوانٍ قليلة.
ثم جاءت الإجابة:
“مش مهم أنا مين دلوقتي. المهم إنك محتاج تسمع الكلام ده. أنا مريت من فترة شبه اللي إنت فيها دلوقتي، وعارفة إحساس إن الواحد يحس إنه لوحده وإن كل حاجة ضده. لقيت رقمك بالصدفة في محادثة قديمة، ومش عارفة ليه حسيت إني لازم أبعتلك. يمكن تكون صدفة، ويمكن الحياة أحياناً بتوصلنا ببعض في الوقت الصح.”
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
لم تكن تعرف مشاكلي.
لم تكن تعرف اسمي حتى.
لم تكن تملك حلاً سحرياً لما أمر به.
ومع ذلك، كلماتها البسيطة فعلت شيئاً لم أستطع فعله طوال الساعات السابقة: جعلتني أتوقف عن الدوران داخل رأسي للحظات.
كتبت لها:
“بس إنتِ متعرفيش أنا بمر بإيه.”
ردت:
“صح، وممكن عمري ما أعرف كل التفاصيل. بس أنا عارفة إن الإنسان لما يكون متعب مش دايماً بيحتاج حد يحل مشكلته. ساعات بيحتاج حد يقوله إن الليلة دي هتعدي.”
وقتها لم أعرف ماذا أقول.
أغلقت الهاتف للحظات، وأخذت نفساً عميقاً، ثم نظرت إلى النافذة. كان الشارع هادئاً، والمدينة التي تبدو صاخبة طوال النهار كانت نائمة تقريباً.
لأول مرة منذ ساعات، شعرت أن صدري أصبح أخف قليلاً.
لم تختفِ المشاكل.
لم تتغير الظروف.
ولم أستيقظ فجأة لأجد حياتي أصبحت مثالية.
لكن شيئاً واحداً تغير: لم أعد أشعر أنني أواجه تلك اللحظة وحدي.
كتبت لها:
“شكراً.”
جاء ردها سريعاً:
“مفيش شكر. بس لو صحيت الصبح ولسه الدنيا تقيلة، افتكر إن الشعور اللي عندك مش لازم يفضل معاك للأبد. كلم حد بتحبه، اخرج من الأوضة، اشرب حاجة، امشِ شوية، واعمل أي حاجة تفصلك عن الدائرة اللي في دماغك. وبكرة ممكن يبقى أهدى من النهارده.”
ثم أرسلت آخر رسالة:
“تصبح على خير.. وإن شاء الله لما تصحى تفتكر إن فيه غريبة في ليلة غريبة كانت بتتمنى لك يوم أحسن.”
اختفت من المحادثة.
وأنا بقيت أنظر إلى الشاشة.
لم أعرف من تكون هذه الفتاة، ولا لماذا اختارت أن ترسل لي في تلك الساعة تحديداً، ولا هل كانت مصادفة بالفعل أم أن وراء الأمر قصة لن أعرفها أبداً.
لكنني عرفت شيئاً واحداً.
أحياناً لا نحتاج إلى شخص يعرف تاريخنا كله حتى يجعلنا نشعر بأننا لسنا وحدنا.
كلمة واحدة في الوقت المناسب قد تكون أثقل من عشرات النصائح التي تصل متأخرة.
وفي تلك الليلة، لم تنقذني تلك الغريبة من مشاكلي، لكنها ساعدتني على عبور أصعب ساعاتها بهدوء أكبر.
وفي الصباح، عندما فتحت عيني، كانت المشاكل ما زالت موجودة.
لكن الشمس كانت موجودة أيضاً.
وهنا فهمت الرسالة الحقيقية التي لم تكتبها تلك الفتاة بشكل مباشر:
ليس كل شيء ينتهي لأن ليلة كانت سيئة، وليس كل شعور نعيشه في منتصف الليل يظل معنا عندما يأتي الصباح.
وأحياناً، قد يأتي الأمل من مكان لا تتوقعه أبداً…
حتى من رقم مجهول على واتساب، بعد منتصف الليل.
تابع جديد Salvatore
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق