In this article
مصر مقبرة الغزاة
نبذة مختصرة
مصر مقبرة الغزاة؛ لم تكن هذه العبارة مجرد شعار حماسي خطّته أقلام المؤرخين، بل هي حقيقة تاريخية دمغتها دماء الفاتحين وصمدت أمامها أعتى إمبراطوريات العالم القديم والحديث. على مر العصور، شكّل موقع مصر الجغرافي العبقري، وثرواتها الوفيرة، قلب العالم النابض، مما جعلها مطمعاً دائماً لكل قوى الاستعمار. إلا أن هذا الوطن امتلك دائماً سراً إلهياً ومخزوناً حضارياً صلباً يحول أراضيه إلى أشواك تبتلع من يحاول النيل منها.
طرد الهكسوس: فجر التحرير وبداية العسكرية المصرية
تبدأ ملحمة الكفاح المصري ضد الغزاة في أواخر عصر الدولة الوسطى، عندما استغلت قبائل الهكسوس الرعوية القادمة من آسيا ضعف الجبهة الداخلية، واحتلت شمال مصر متخذة من "أواريس" عاصمة لها. ظن الغزاة أن الهوية المصرية قد طُمست، لكن الشرارة انطلقت من طيبة (الأقصر حالياً) بقيادة الأمير سقنن رع الذي سقط شهيداً في ساحة الشرف، وتبعه ابنه كامس.
ثم جاء البطل الشاب أحمس الأول ليقود خطة عسكرية عبقرية؛ فقام بتطوير العجلات الحربية وسلّح الجيش المصري بها، وطارد الهكسوس في معارك ضارية حتى حصنهم الأخير في "شاروهين" بفلسطين، ليطهّر أرض مصر تماماً ويبدأ عصر الدولة الحديثة (الإمبراطورية المصرية العظمى).
معركة مجدو وقادش: تثبيت أركان الإمبراطورية
لم تكتف مصر بتأمين حدودها الداخلية، بل أدركت أن الأمن القومي يبدأ من الخارج. في عهد العبقري العسكري تحتمس الثالث، خاض الجيش المصري معركة مجدو في القرن الخامس عشر قبل الميلاد ضد تحالف من أمراء الشام بدعم من مملكة ميتاني. باغت تحتمس أعداءه بعبور ممر "عَـرُّونَة" الجبلي الضيق والوعر، وهو طريق اعتبره الأعداء مستحيلاً، محققاً نصراً ساحقاً أمّن به حدود مصر الشمالية الشرقية لقرون.
وفي عهد رمسيس الثاني، واجهت مصر خطر الحيثيين في معركة قادش. ورغم الكمين الذي تعرض له الجيش المصري، استطاع رمسيس ببسالته القيادية تحويل الموقف لصالح مصر، مما أجبر ملك الحيثيين على طلب الصلح، وتوقيع أول معاهدة سلام مكتوبة في التاريخ، تثبت سيادة مصر الإقليمية.
معركة عين جالوت: درع العالم الإسلامي ضد التتار
في القرن الثالث عشر الميلادي، اجتاح الإعصار المغولي (التتار) العالم، وأسقط الخلافة العباسية في بغداد، ودمر الحواضر الإسلامية حتى وصلوا إلى الشام، وباتت مصر هي القلعة الأخيرة الباقية. أرسل هولاكو تهديداً شديد اللهجة للمصرين، لكن السلطان سيف الدين قطز ردّ بقطع رؤوس الرسل وإعلان التعبئة العامة.
وفي 25 رمضان 658 هـ (1260 م)، التقى الجيشان في معركة عين جالوت. استخدم الجيش المصري بقيادة قطز والظاهر بيبرس خطة التراجع التكتيكي (الكمين)، والتفوا حول الجيش المغولي، وضُربت القوة التي قيل عنها إنها لا تُقهر. لم ينقذ هذا الانتصار مصر وحدها، بل أنقذ الحضارة الإنسانية بأكملها من دمار محقق.
التصدي للحملة الصليبية السابعة: مقبرة المنصورة
قبل عين جالوت بقليل، وتحديداً عام 1249 م، قاد ملك فرنسا لويس التاسع الحملة الصليبية السابعة متوجهاً إلى مصر باعتبارها مفتاح السيطرة على بيت المقدس. احتل الصليبيون دمياط وتوجهوا نحو المنصورة.
هناك، تلاحم الجيش المصري والشعب في شوارع المنصورة وأزقتها، ووضعوا خطة محكمة أدت إلى إبادة القوة المهاجمة وأسر الملك لويس التاسع نفسه، وحبسه في "دار ابن لقمان"، لتنتهي الحملة بفشل ذريع ويتحول حلم لويس إلى كابوس تاريخي.
معركة بور سعيد 1956: تحطم أحلام الثلاثي
في العصر الحديث، تجسدت روح المقاومة في العدوان الثلاثي عام 1956، عندما تآمرت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر بعد تأميم قناة السويس. تحولت مدينة بور سعيد الباسلة إلى مقبرة لخطط المستعمرين؛ حيث قاوم الجيش والشعب بكفاح مسلح وحرب شوارع شرسة أذهلت القوى العظمى، وضغطت القوى الدولية حتى انسحبت قوات العدوان مهزومة، مسجلةً نهاية العصر الاستعماري التقليدي في العالم.
حرب أكتوبر 1973: المعجزة وتحطيم أسطورة الجيش الذي لا يقهر
تظل حرب السادس من أكتوبر 1973 (العاشر من رمضان) التاج الفاخر في سجل الانتصارات المصرية. بعد نكسة 1967، ظن العدو الإسرائيلي أن مصر لن تقوم لها قائمة، وتحصن خلف خط بارليف الذي وُصف بأنه أقوى خط دفاعي في التاريخ الحديث، مدعوماً بمانع مائي وهو قناة السويس.
في تمام الساعة الثانية ظهراً، عبرت القوات المسلحة المصرية القناة، وحطمت خط بارليف خراطيم المياه وبسالة الجنود، ورفعت العلم المصري فوق سيناء. نجحت مصر في خداع أجهزة المخابرات العالمية، وقدمت سيمفونية عسكرية تُدرّس حتى اليوم في المعاهد الدولية، حيث تحطمت أوهام التفوق الإسرائيلي، واستعادت مصر أرضها وكرامتها بقوة السلاح ثم بالسلام.
خاتمة
إن تاريخ مصر مع الغزاة ليس مجرد صفحات من الماضي، بل هو قانون جيو-سياسي ثابت: مصر لا تبدأ بالاعتداء، لكنها لا تنام على ضيم. كل من قادته أوهامه لاحتلال هذه الأرض انصهرت جيوشه وتلاشت إمبراطوريته، وبقيت مصر، بهويتها وجيشها وشعبها، شاهدة على انكسار الطغاة، لتظل دائماً وأبداً مقبرة الغزاة ودرع أمتها الحصين.
Keep up with صلاح شعيشع
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment