أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

رواية الدرج المقفول: الجزء الثالث | رسالة الأب بعد ستين يومًا

من هو الشخص الذي دخل بيت طلال في الجزء الثالث من رواية الدرج المقفول؟ ورسالة الأب التي انتظرت ستين يومًا تكشف سرًا جديدًا.

محمد قنبسمحمد قنبسالكاتب 7 د للقراءة 0.00 المراجعات
رواية الدرج المقفول: الجزء الثالث | رسالة الأب بعد ستين يومًا
image about رواية الدرج المقفول: الجزء الثالث | رسالة الأب بعد ستين يومًا

الجزء الثالث | رسالة الأب بعد ستين يومًا

لم يتحرك أحد.

وقف طلال عند باب المكتب وأمه بجانبه، وفي الطابق السفلي خطوات هادئة تقترب من الدرج، خطوات رجل لا يعرف البيت جيدًا، لكنه لا يتخبط فيه أيضًا.

أمسكت لطيفة بذراع ابنها وقالت بصوت مخنوق: «لا تنزل يا طلال.»

نظر إلى يدها المرتجفة على كمّه، ثم إلى وجهها، وقال بهدوء لم يعرف من أين جاءه: «هذا بيتي يا يمّه.»

ونزل.

كان يمسك الدرابزين بقوة، وأمه خلفه بخطوة تشدّ عباءتها على صدرها. في الصالة كانت الإضاءة الصغيرة ما زالت مشغلة كما تركوها بعد العشاء، وفي منتصفها، عند الباب المفتوح، يقف رجل. حقيبة سفر صغيرة عند قدميه، وفي يده مفتاح نحاسي.

طويل القامة، متعب الكتفين، بجاكيت رمادي مجعّد كأنه قضى ساعات طويلة في سيارة. ذقنه غير محلوقة منذ يومين، وشعره الأسود الكثيف مسرّح إلى اليمين.

ثم رفع رأسه.

لم يكن يشبه طلال فقط. كان كمن ينظر إلى مرآة تأخرت سنتين في عرض الصورة. الحاجبان المرفوعان قليلًا، وميل الرأس، والغمّازة الصغيرة التي ظهرت في خده الأيسر حين شدّ فكّه.

قال الرجل بصوت أعمق من صوت طلال بقليل:

«السلام عليكم.»

«وعليكم السلام،» ردّ طلال، وسمع صوته كأنه يخرج من شخص آخر.

مرّت ثوانٍ لا يتحرك فيها غير الساعة في الممر. ثم التفت الرجل إلى لطيفة وخفض بصره احترامًا:

«السلام عليكم يا خالتي. أنا ماجد.»

لم تجب لطيفة. كانت تنظر إليه كمن ينظر إلى ماضٍ عاد بلا استئذان، وفكّها مشدود، وأصابعها الممسكة بالعباءة بيضاء.

قال ماجد بسرعة: «أعتذر إني دخلت كذا. رنّيت الجرس مرتين وما فتح أحد، والمفتاح كان معي.»

عقد طلال حاجبيه. «المفتاح؟ من وين لك مفتاح بيتنا؟»

«من أبوك. قبل ست سنين.» تردد لحظة ثم أكمل: «قال لي: هذا بيتك لو احتجته يوم. ما تحتاج تستأذن أحد.»

سمع طلال شهقة خفيفة من أمه. التفت فرآها تضع كفها على فمها.

قالت بصوت بالكاد يُسمع: «ست سنين... وأنا ما دريت.»

نظر إليها ماجد نظرة فيها ألم صادق. «ما كنت أبي أدخل كذا يا خالتي، والله. بس وعدته، وما قدرت أخلف.»

«وعدته وش؟» سأله طلال.

«أسلّم لك شي بيدي. لا قبل ولا بعد.» ثم أضاف بنبرة أخف: «بس ما أقدر أشرحه وأنا واقف في المدخل. ممكن أدخل؟»

نظر طلال إلى أمه، منتظرًا أن ترفض أو تصرخ أو تنهار. لكن لطيفة أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتهما، وقالت بصوت متماسك لم يتوقعه:

«دخّله يا طلال. مهما كان... هذا بيت أبوك.»

ثم استدارت نحو المطبخ وهي تقول بلا التفات: «أنا بسوي شاهي. الأول انكسر.»

وحين اختفت في الممر، سمع طلال صوت صنبور الماء يُفتح، أعلى مما يلزم، كأنها تريد أن تغطي به على شيء.


جلسا في المجلس، على الكنبتين المتقابلتين اللتين جلس عليهما أبوهما آلاف الليالي مع ضيوفه.

نظر ماجد حوله ببطء، إلى السجاد الأحمر القديم، وإلى المباخر النحاسية على الرف، وإلى الصورة المؤطرة فوق الكنبة الكبيرة، صورة عبدالعزيز في الخمسين بشماغ أبيض وابتسامة هادئة. ظل ينظر إليها طويلًا، وحين تكلم كان صوته منخفضًا:

«هذي أول مرة أدخل بيته.»

«ولا مرة؟» سأل طلال.

«كنت أمرّ قدام الباب بالسيارة كل سنة تقريبًا. أوقف على الطرف الثاني من الشارع، وأطالع الباب دقيقة، وأمشي.» ابتسم ابتسامة قصيرة بلا فرح. «كنت أتخيل وش يصير وراءه.»

جلس طلال على حافة الكنبة، والغضب الذي حاول أن يكتمه ارتفع أخيرًا:

«أبوي مات قبل شهرين. مات! وما شفتك في العزاء ولا في المقبرة ولا في أي مكان. وش تبي الحين؟»

لم يرفّ لماجد جفن. «كنت في المقبرة يا طلال.»

سكت طلال.

«كنت واقف برا السور، عند الشجرة الكبيرة، من بعيد. أبوك طلب مني قبل ما يموت: لا تحضر الدفن، لا تكسر على أمك وإخوانك ذاك اليوم. وأنا وافقت، لأن هذا كان أقل شي أقدر أعطيه.» ثم رفع عينيه إليه. «شفتك يومها. كنت واقف عند القبر وحاط يدك على كتف أخوك الكبير، وتمسح وجهك بكمّك. وقلت في نفسي: هذا اللي كان أبوي يتكلم عنه كل مرة يجي.»

«يتكلم عني؟» خرجت الجملة من طلال أضعف مما أراد.

«كل سفرة، كل سنة. كان يجلس معي ويسألني عن دراستي وشغلي، وبعدين يقول: طلال طلع مثلك في كذا، وطلال يسوي كذا. كان يحكي عنك أكثر مما يحكي عن نفسه.»

أخذ طلال نفسًا ثقيلًا وأدار وجهه نحو الجدار. لم يعرف بماذا يشعر. كان يريد أن يكره هذا الرجل الجالس أمامه، وأن يصرخ في وجهه ويطرده. لكن الرجل يحمل وجهه هو، ويتحدث عن أبيه بصوت مكسور مثل صوته.

سأله بعد صمت طويل: «وأمك؟ هدى؟»

«توفيت قبل سنتين.» قالها ماجد بهدوء من اعتاد الجملة. «سرطان. وأبوك جا العزاء وقعد معي ثلاثة أيام كاملة في بيتنا. وفي الليلة الأخيرة، جلس جنبي في الصالة وقال: لازم طلال يعرف. ما أقدر أموت وهو ما يدري إن له أخ.»

تذكّر طلال السطر في الدفتر الجلدي: «ماجد اتصل اليوم... قال: ولدك طلال، يعرف؟» وشعر بحرارة غريبة في عينيه.

«وجيت المستشفى،» قال ماجد. «في آخر أسبوع. وقفت عند الباب. شفت أمك جالسة جنب السرير، وشفتك جالس على الطرف الثاني تمسك يده. ما دخلت. حسّيت إن دخولي يومها بيكون ظلم لكم كلكم.»

نظر طلال إلى يديه. كان يذكر تلك الليلة جيدًا، رائحة المعقم، وصوت الجهاز، وأبوه يهمس: «سامحني يا وليدي.» يومها كان يظن أنه يعتذر عن شي صغير، عن غياب أو تقصير، أما الآن فيفهم أن الرجل كان يعتذر عن ثلاثين سنة.

في تلك اللحظة دخلت لطيفة بصينية الشاي. وضعتها على الطاولة الصغيرة دون أن تنظر إلى أحد، وصبّت ثلاثة أكواب، وناولت ماجد كوبه بيد ثابتة على غير المتوقع. أخذه ماجد بكلتا يديه وقال بصوت يكاد يختنق: «تسلمين يا خالتي.»

قالت: «بالعافية،» وجلست في الزاوية بعيدًا عنهما، وعيناها على السجادة.


حين انتهى الصمت الثقيل، مدّ ماجد يده إلى حقيبته وأخرج منها ظرفًا أبيض سميكًا، مغلقًا بشريط لاصق، مكتوبًا عليه بخط عبدالعزيز:

«لطلال بن عبدالعزيز، بيده.»

وضعه على الطاولة وقال:

«أبوك سلمني هذا قبل وفاته بأسبوعين. قال لي بالحرف: بعد ستين يوم من موتي، لا قبل ولا بعد، تسلمها لطلال بيدك، وتقعد عنده لين يقرأها.»

«ليش ستين؟» سأل طلال.

«قال: لين يهدأ البيت شوي، ولين ما يقول أحد إنك جيت تطمع.» ثم قال بحزم هادئ: «وأنا ما جيت أطمع في شي يا طلال. جيت أسلّم أمانة وأمشي.»

تناول طلال الظرف. كان أثقل مما توقع، وأطرافه ناعمة، وخط أبيه على وجهه أكثر ثباتًا من خط الدفتر الجلدي، كأنه كُتب قبل أن يشتد عليه المرض.

فتحه بحذر. خرجت منه أربع أوراق مطوية بعناية، مكتوبة بحبر أزرق على الوجهين. أخذ نفسًا وبدأ يقرأ، أولًا بصمت، ثم بصوت خافت لا يكاد يُسمع، وكأنه يخشى أن ينكسر شيء إن رفعه:

«بسم الله الرحمن الرحيم.

ولدي طلال،

إذا وصلتك هذي الرسالة، فأنا صرت عند ربي، وماجد صار قدامك، وأنت غالبًا تكرهني الحين، وهذا من حقك.

ما أطلب منك تسامحني. أطلب منك تسمع.

أنا ما أخفيت ماجد عنك لأني أخجل منه. أخفيته لأني جبان. اخترت الطريق الأسهل ثلاثين سنة، ودفعتوا ثمنه كلكم: أنت وأمك وأخوانك، وماجد وأمه رحمها الله. أنا اللي قسمت قلبي بين بيتين، وأنتم اللي عشتوا بنصفه.

ماجد ولدي مثلك، ما هو أقل ولا أكثر. ما أبيك تحبه بالغصب. أبيك تعرفه بس، مثل ما عرفته أنا متأخر. هو أطيب مني وأحسن.

وأمك، أمك يا طلال، أعظم امرأة عرفتها. علمت وسكتت وربّتكم أحسن تربية، وما قالت لي مرة كلمة تجرحني. لو في أحد ما يستاهل هالوجع فهي.

وفي شي لازم تعرفه، وما قدرت أقوله لك وأنا حي.

فيصل يعرف.»

توقف طلال.

رفع عينيه من الورقة ببطء، ورأى ماجد ينظر إلى الأرض، وأمه في الزاوية قد رفعت رأسها فجأة، وعيناها متسعتان.

سأل بصوت جاف: «فيصل يعرف؟ أخوي؟»

لم يجب أحد. عاد إلى الورقة، وقرأ بصوت أعلى قليلًا، وقد بدأت أصابعه ترتجف:

«فيصل يعرف عن ماجد من سنة ٢٠٠٩. لقي أوراقي بنفسه وواجهني، وكنت وقتها ما أقدر أنكر. وطلب مني طلبًا واحدًا، وأنا وافقت عليه، ومن يومها بدأت كل السنين اللي خبيت فيها الحقيقة عنك وعن نورة.

لا تلوم فيصل قبل ما تسمعه. وفي نفس الوقت لا تصدّق كل ما يقوله لك.

اسأل فيصل عن الشرط اللي أخذه مني.»

انتهت الصفحة عند هذا السطر، وباقي الورقة بيضاء.

قلّب طلال الورقة ليقرأ التكملة، لكن الورقة التالية كانت مكتوبة بخط مختلف، لا يعرفه.

وفي اللحظة نفسها اهتز هاتفه على الطاولة.

نظر إلى الشاشة المضيئة، وتجمّد.

فيصل.

كان الاسم يومض في الظلمة، ويهتز الهاتف على الخشب بصوت متقطع كأنه ينبض.

لم يمدّ طلال يده إليه. رفع نظره إلى أمه، فرأى وجهها قد شحب أكثر من أي وقت مضى، وسمعها تهمس:

«لا تجاوب.»

وفي الخارج، على الشارع الهادئ، سمعوا جميعًا صوت سيارة تتوقف أمام البيت، وبابًا يُغلق بقوة، وخطوات سريعة تقترب من الباب الرئيسي.

يتبع في الجزء الرابع...

تابع جديد محمد قنبس

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق