في هذا المقال
مفتاح أبي: الجزء الثاني
بقيتُ واقفة أمام مكتب ماجد الشمري، أحدّق في الاسم الذي على الشاشة كأنني أحاول حفظه قبل أن يمّحي. «سلمى سعد الحربي». ثلاث كلمات لا تعني لي شيئًا، ومع ذلك شعرتُ أنها تعرفني، وأنها كانت تنتظر هذا اليوم أكثر مني.
«أستاذ ماجد، أبي أكلّم هالمرأة. رقم، عنوان، أي شي.»
هزّ رأسه بأسف صادق. «والله يا أستاذة لو أقدر ما قصّرت. بيانات العملاء سرّية، حتى عن الورثة، وأنا أتحاسب لو أعطيتك شي.» ثم خفض صوته وتلفّت حوله: «لكن أقول لك شي واحد، وما سمعتيه مني. المرحوم هو اللي أضافها على الصندوق بنفسه. وجا هنا معها يوم تجديد الإيجار، الاثنين الثاني والعشرين من يناير. أنا اللي خدمتهم.»
«كانت معه؟»
«جلست على هالكرسي.» أشار إلى الكرسي المجاور لي. «وكان يقرأ لها كل سطر قبل ما توقّع، كأنه يخاف يضيع منها شي.»
حاولتُ أن أتخيل أبي، الرجل الذي لا يقف في طابور بنك إلا متذمرًا، جالسًا هنا بجانب امرأة غريبة يقرأ لها السطور بصبر. لم أستطع. كانت الصورة تتهشم في رأسي كلما اقتربتُ منها.
«وإذا أبي أفتح الصندوق؟»
«تحتاجين حصر إرث من المحكمة، وتوقيع كل الورثة. أخوك وأمك معك.» ابتسم ابتسامة معتذرة. «أما الأستاذة سلمى فمن حقها تدخل بمفتاحها متى شاءت، لأن اسمها مسجّل شريكة. هذا نظام الصناديق المشتركة.»
خرجتُ إلى الموقف وجلستُ في السيارة دون أن أشغّل المحرك. ثم قدتُ ساعات بلا وجهة، أمرّ على شوارع الكويت كأنني أراها لأول مرة، والمفتاح في جيبي يضغط على ضلعي كلما انعطفتُ. كان اليوم الرابع من رمضان، وفي مكان ما من هذه المدينة امرأة تعرف عن أبي ما لا أعرفه أنا، وربما أكثر مما أعرفه عن نفسي.
وصلتُ البيت قبل الأذان بدقائق. كان فهد قد سبقني، وسيارته السوداء واقفة أمام الباب، وفي الصالة صوته الهادئ الذي يعرف كيف يصير حادًّا دون أن يعلو.
«أنا كنت أبي أخلّص لك ورقة إجازة الوفاة من الإدارة،» قال حين دخلتُ، «اتصلت بالمدرسة قبل ساعتين. قالوا إن الأستاذة نورة ما جت.»
وقفتُ أمام مائدة الإفطار وفي جيب عباءتي المفتاح. كانت أمي تضع الأطباق بيد ثابتة، لكنني رأيتُ الملعقة ترتجف بين أصابعها.
«ما قدرت أدخل المدرسة،» قلتُ. «وصلت الباب وما قدرت. مشيت شوي بالسيارة.»
«من الصباح وإنتِ برّا؟ ثماني ساعات تمشين بالسيارة في رمضان؟»
«فهد، خلّها،» قالت أمي بصوت خافت.
«لا يمّه، خلّيني.» التفت إليّ، وكانت عيناه متعبتين أكثر مما ينبغي لرجل في السابعة والثلاثين. «نورة، أنا ما أكلّمك كأخ يتحكم. أكلّمك لأن فيه أشياء، لو انكشفت قبل وقتها، تهدّ البيت. وأنا ما أبي أشوف أمي تنهدّ قدامي مرة ثانية.»
«مرة ثانية؟»
سقطت ملعقة أمي على الصحن بصوت رنّان. لم ينظر أحد إليها. ولم يجبني أحد. ارتفع الأذان من المسجد المجاور، فمدّت أمي يدها إلى التمر وقالت: «الله أكبر. افطروا.»
أفطرنا على الصمت. كان فهد يأكل بسرعة وهو يتفادى عينيّ، وأنا أعدّ في رأسي الكلمة التي لم يشرحها: «مرة ثانية». متى انهدّ هذا البيت أول مرة؟ وأين كنتُ أنا يومها؟
بعد صلاة التراويح تظاهرتُ بالصداع وانسحبتُ إلى غرفتي. سمعتُ أمي تغسل الصحون أطول من المعتاد، وفهد يخرج في العاشرة والنصف وهو يتحدث في الهاتف بصوت خفيض، ثم ساد البيتَ هدوء ثقيل.
حين نزلتُ بعد الواحدة وجدتُ ضوءًا خافتًا في المجلس. كانت أمي جالسة على سجادة الصلاة، لا تصلي ولا تقرأ، بل تحدّق في الجدار المقابل كأنها تنتظر أن يخرج منه أحد.
«يمّه؟ ليش ما نمتي؟»
«ما عرفت النوم من مات أبوك.» لم تلتفت. «وإنتِ؟ مو عندك صداع؟»
جلستُ بجانبها على الأرض كما كنتُ أفعل في طفولتي. «يمّه، أبوي قال لي قبل لا يموت: لا تحكمين عليّ قبل ما تسمعين. أسمع إيش؟»
رأيتُ كتفيها تتصلبان تحت العباءة. مرّت ثوانٍ، ثم قالت بصوت جاف: «هذا كلام رجال يخاف من الموت. ما له معنى.»
«يمّه...»
«إنتِ طالعة له.» التفتت أخيرًا، وفي عينيها لمعان غريب لا أدري أهو غضب أم حزن أم خوف. «تحفرين في الأشياء لين تطلع لك أشياء ما كنتِ تبينها. نامي يا نورة. الله يهديك.»
قامت ببطء ودخلت غرفتها وأغلقت الباب. ولاحظتُ شيئًا لم أنتبه له من قبل: أمي، التي تُتبع كل ذكر للموتى بـ«الله يرحمه»، لم تقلها حين ذكرتُ أبي.
دخلتُ المكتب وأغلقتُ الباب خلفي، وجلستُ على كرسي أبي الجلدي، وفتحتُ الدرج الثاني حيث المفكرات الصغيرة التي رأيتها البارحة ولم أقرأها.
كانت أربعًا وعشرين مفكرة، من عام ٢٠٠٠ إلى ٢٠٢٤، بغلاف أسود بسيط، وخط أبي المائل يملأ صفحاتها باختصار شديد: مواعيد، وأرقام، وأسماء تجار، وأحيانًا جملة واحدة في الهامش. أبي لم يكن يكتب مشاعره. كان يكتب ما فعله فقط.
رتّبتُها على المكتب بالتسلسل، فاتضحت أمامي فجوة كسنٍّ ناقصة في ابتسامة: ٢٠٠٣، ثم ٢٠٠٥. لا مفكرة لعام ٢٠٠٤.
بدأتُ بمفكرة ٢٠٠٥ وأنا أقلّب بإصبع مرتجف. وفي صفحة التاسع من فبراير، بين فاتورة ورقم هاتف، وجدتُ سطرًا واحدًا:
«س انتقلت إلى الشقة. الله يعيننا.»
س. حرف واحد، ثم يتكرر. كلما تقدمتُ في السنوات ظهر الحرف نفسه: «مررت على س»، «س مريضة هالأسبوع»، «س تسأل عنهم». عنهم؟ من هم؟ أنا وفهد؟ أم أناس آخرون لا أعرفهم؟
لاحظتُ أن الحرف لم يظهر في أي مفكرة قبل ٢٠٠٥. ظهر في السنة التي تلت السنة الغائبة.
عدتُ بذاكرتي إلى صيف ٢٠٠٤، وكنتُ يومها في الثالثة عشرة. لم أتذكر منه الكثير، لكن صورًا بدأت تطفو فجأة كأن الفجوة في المفكرات فتحت بابًا في رأسي.
صيف طويل غابت فيه أمي شهرين عند أختها في الدمام، وقالت لنا الخالة: «الوالدة تعبانة شوي وتبي راحة». ولم نسأل. من يسأل في الثالثة عشرة؟ رجعت أمي أنحف، وأكثر صمتًا، وصارت لا تضحك حين يدخل أبي الغرفة. وفهد، وكان في السابعة عشرة، أغلق على نفسه باب غرفته أسبوعًا كاملًا، ثم لم يذكر ذلك الصيف أبدًا، ولا مرة.
كنتُ أظنه صيفًا عاديًّا. أمي تعبت، فهد صار مراهقًا غاضبًا، أبي يعمل أكثر. هكذا تُرتَّب الذكريات حين لا نريد أن نفكّر فيها. لكن ماذا لو لم يكن عاديًّا؟ ماذا لو كان «المرة الأولى» التي انهدّ فيها هذا البيت، وكان أبي قد مزّق مفكرته ليخفي ما حدث فيه؟
قرأتُ حتى تعبت عيناي. ثم فتحتُ مفكرة ٢٠٢٤، وهي الأخيرة، وذهبتُ مباشرة إلى يناير.
«٢٢ يناير. البنك مع س. تصرّ إن لازم يعرفون قبل ما يصير لي شي. قلت لها: بعد رمضان إن شاء الله. ما أبي أكسر قلب هيا قبل الشهر الكريم.»
قبل ما يصير لي شي. قرأتُ العبارة ثلاث مرات. هل كان أبي يعرف أنه مريض؟ هل أخفى عنا مرضًا غير السر؟ لكنه كان يمشي كل يوم بعد الفجر ويشرب قهوته ويضحك...
وفي صفحة مارس سطران بخط أثقل من المعتاد، كأن القلم ضغط على الورق:
«الجمعة ١ مارس: قلت لنورة جزءًا من الكلام. ما قدرت أكمل.»
«السبت ٢ مارس: بكرة بعد الفجر أحكي لهيا. وبعدها يصير ما يصير.»
بكرة. الأحد، الثالث من مارس. اليوم الذي خرج فيه من البيت ولم يعد.
ضممتُ المفكرة إلى صدري وأنا أحاول أن أتنفس. لم يكتب «أخبر هيا» بل «أحكي لهيا»، كأن في الأمر حكاية طويلة تحتاج إلى جلسة كاملة. فهل جلس معها فجر ذلك اليوم؟ هل قال لها قبل أن يخرج ليشتري الخبز؟ وهل لهذا ترتجف أمي كلما ذُكر اسمه، وتتعجل محو آثاره، وتطلب مني أن أرمي المفتاح في البحر؟
كان الهاتف على المكتب بجانب المفتاح حين اهتزّ فجأة. الساعة تشير إلى الثانية وعشر دقائق بعد منتصف الليل، والرقم كويتي لا أعرفه.
تركتُه يرنّ ثلاث مرات، ثم قال لي قلبي أن أجيب.
«ألو؟»
صمت. ثم صوت امرأة، هادئ ومتعب، لا يشبه صوت من تتسلل في الليل: «نورة؟»
«مين معي؟»
«أنا سلمى. سلمى الحربي.»
أمسكتُ حافة المكتب. «كيف جبتي رقمي؟»
«عطاني إياه أبوك. قبل سنة تقريبًا. قال لي: إذا صار لي شي، المفتاح بيوصل نورة. مو فهد. نورة.»
«ليش أنا؟»
«قال إنك الوحيدة اللي تسمع قبل ما تحكم.»
لم أسمع لثوانٍ إلا أنفاسي. «أنتِ تدرين إنه توفى؟ ودخلتي الصندوق بعد ثلاثة أيام بس!»
«دخلتُ لأن لازم أحد يدخل،» قالت بهدوء. «وأخذتُ شي واحد. ما كان لي، ولا لكم. كان أمانة. وباقي الصندوق ما لمسته، لأنك لازم تشوفينه بنفسك، مو من أحد غيرك.»
«وش اللي أخذتيه؟»
«بكرة بعد العصر، وتجيني وحدك. أرسل لك العنوان.»
«ما أروح لأي مكان قبل ما تقولين لي مين أنتِ. أبوي كان...»
«أعرف وش تسألين،» قاطعتني بحنان غريب. «وما أقدر أقوله على التلفون. بس اسمعيني زين يا نورة: لا تقولين لأمك، ولا لأحد.»
«ولا فهد؟»
سكتت. ثم قالت جملة جعلت جلدي ينتفض:
«فهد بالذات. لأنه يعرف عن المفتاح من قبل ما تلقينه. والسؤال اللي لازم تسألينه نفسك: ليش ما قال لك؟»
انقطع الخط. وبعد ثوانٍ اهتزّ الهاتف برسالة قصيرة: موقع على الخريطة، ولا كلمة معه.
نظرتُ إلى النقطة الحمراء على الشاشة، في حيّ لا أعرفه. ثم رفعتُ عينيّ إلى باب المكتب. كنتُ قد أغلقتُه بنفسي قبل ساعة، وها هو مفتوح قدر شبر، والممر خلفه معتم.
وفي آخر البيت، سمعتُ صوت باب غرفة ينغلق بحذر.
من الذي كان يقف هناك؟ وكم سمع؟ وهل كان فهد يعرف حقًّا بأمر المفتاح قبل أن أجده، ولماذا لم يقل لي شيئًا، وهو الذي سألني على مائدة الإفطار: «إذا لقيتي أي شي غريب، قولي لي أول واحد»؟
وتذكرتُ سطر أبي الأخير: «وبعدها يصير ما يصير».
ما الذي كان يقصده؟ وما الذي صار؟
يتبع في الجزء القادم...
تابع جديد محمد قنبس
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق