في هذا المقال
كان يا ما كان، في قرية صغيرة على أطراف الدلتا، كان فيه غيط كبير الناس كلها بتعرفه باسم غيط الشيخ سالم. الغيط كان واسع جدًا، مليان زرع، وفي آخره ترعة قديمة، وعلى الناحية التانية شجر جميز طويل عامل زي سور أسود في الليل.
الغريب إن أهل البلد كانوا دايمًا يقولوا لبعض:

“إياك تدخل الغيط ده بعد المغرب.” رعب الغيطان
محدش كان بيشرح السبب.
ولو سألت حد كبير في السن، كان يغيّر الموضوع فورًا، وكأن مجرد الكلام عن الغيط بعد المغرب حاجة مش مستحبة.
كان محمود شاب عنده حوالي عشرين سنة، ومش بيصدق الكلام ده. كان دايمًا يقول لأصحابه:
“يعني إيه جن؟ إحنا في 2026 ولسه هنخاف من حكايات زمان؟”
وفي ليلة من ليالي الشتاء، محمود كان عند صاحبه في آخر البلد، والوقت اتأخر جدًا. لما خرج، اكتشف إن الطريق الرئيسي مقفول بسبب أعمال صيانة.
صاحبه قاله:
“استنى للصبح.”
لكن محمود رد:
“هلف من الغيط وخلاص، عشر دقايق وأكون في البيت.”
صاحبه مسكه من إيده وقال:
“محمود… بلاش.”
ضحك محمود وقال:
“خد بالك من نفسك إنت بس.”
ومشي.
في البداية، كل حاجة كانت طبيعية.
السماء غائمة، والقمر ظاهر بالعافية، والهوا بيحرّك الزرع بصوت خفيف.
محمود كان ماشي بسرعة وهو ماسك كشاف الموبايل.
بعد حوالي خمس دقايق، سمع صوت صفير جاي من بعيد.
فيوووو… فيوووو…
وقف محمود وبص ناحية الصوت.
مفيش حد.
كمل مشي.
بعد شوية، الصفير رجع.
لكن المرة دي كان أقرب.
محمود قال لنفسه:
“أكيد حد من البلد.”
فضل ماشي.
وفجأة سمع صوت بنت صغيرة بتضحك.
“ههه… ههه…”
محمود وقف مكانه.
الصوت كان جاي من بين الزرع.
قال بصوت عالي:
“مين هناك؟”
مفيش رد.
وبعد ثواني، سمع نفس الضحكة مرة تانية.
بس المرة دي كانت وراه.
لف بسرعة.
ولا حد.
بدأ قلبه يدق أسرع.
قال لنفسه إن الموضوع مجرد صوت طالع من الزرع، وحاول يكمل.
لكن وهو ماشي، لاحظ حاجة غريبة.
كل ما يمشي في اتجاه معين، يرجع يلاقي نفس شجرة الجميز قدامه.
قال:
“هو أنا بلف في دايرة؟”
فتح الخريطة على الموبايل.
الإشارة كانت موجودة، لكن سهم الاتجاه كان بيلف لوحده.
مرة يمين.
مرة شمال.
مرة يرجع لنفس المكان.
وفجأة الموبايل فصل.
الظلام بقى كامل.
محمود وقف مكانه.
وفي وسط السكون، سمع صوت راجل عجوز:
“متكملش يا ابني.”
محمود اتجمد.
الصوت كان قريب جدًا.
قال:
“مين؟”
جاء الرد:
“ارجع من نفس الطريق اللي جيت منه.”
محمود بدأ يرجع للخلف.
خطوة…
خطوة…
لكن فجأة سمع صوت حد بيجري وراه وسط الزرع.
جري هو كمان.
الصوت فضل وراه.
كل ما محمود يسرع، الصوت يسرع.
لحد ما سمع حاجة وقعت على الأرض وراه.
وقف.
وسكت الصوت.
لف ببطء.
كان فيه فانوس قديم واقع على الأرض.
والأغرب إن الفانوس كان منور.
قرب منه محمود.
وفجأة ظهر على الأرض جنب الفانوس آثار أقدام.
أقدام حافية.
لكنها كانت جاية من ناحية الترعة…
ومتجهة ناحيته.
محمود رجع خطوة.
ثم سمع صوت همس من ناحية الشجر:
“محمود…”
اتصدم.
الصوت كان صوت أمه.
“محمود… تعالى.”
دموعه نزلت من الخوف.
قال:
“ماما؟”
الصوت رد:
“أيوه… تعالى.”
بدأ يتحرك ناحية الصوت، لكن قبل ما يوصل، افتكر إن أمه في البيت، وإن مستحيل تكون هنا.
وقف.
الصوت اتغير فجأة وبقى خشن:
“تعالى يا محمود…”
محمود جري ناحية الترعة بدل ما يروح للصوت.
وصل عند كوبري صغير، وهناك شاف راجل واقف في الناحية التانية.
لابس جلابية غامقة وماسك عصاية.
الراجل قال:
“إنت محمود؟”
محمود هز راسه.
الراجل قال:
“إنت دخلت الغيط ليه؟”
محمود رد:
“كنت راجع البيت.”
العجوز بص وراه وقال:
“متبصش وراك.”
محمود سأل:
“ليه؟”
قال:
“عشان اللي وراك… مش بني آدم.”
محمود حس إن نفسه اتقطع.
ومن وراه سمع صوت خطوات بتقرب.
الراجل شدّه ناحية الكوبري وقال:
“اجري، ومهما سمعت… متردش.”
محمود جري.
كان بيسمع أصوات كتير حواليه.
صوت أمه.
صوت أبوه.
صوت صاحبه.
حتى صوته هو نفسه.
كلهم بينادوا عليه:
“محمود!”
“استنى!”
“محمود ارجع!”
لكنه ما ردش.
فضل يجري لحد ما شاف أول بيوت البلد.
دخل الشارع وهو بيقع من التعب.
أول ما وصل البيت، خبط على الباب.
أبوه فتح.
ولما شافه، وشه اتغير.
قال:
“إنت كنت فين؟”
محمود قال:
“في الغيط.”
أبوه سكت.
وبعدين قال:
“الغيط؟”
“أيوه.”
أبوه بص لأمه، وبعدها قال:
“يا محمود… إنت خرجت من عند صاحبك الساعة ١١.”
“أيوه.”
“دلوقتي الساعة ٤ الفجر.”
محمود بص للساعة.
٤:٠٧.
هو كان حاسس إنه مشي عشرين دقيقة بس.
أبوه سأله:
“قابلت حد؟”
محمود سكت.
وبعدين حكى له عن الراجل العجوز.
أبوه لما سمع وصفه، قعد على الكرسي.
وقال بصوت منخفض:
“ده الشيخ سالم.”
محمود قال:
“مين الشيخ سالم؟”
أبوه رد:
“راجل مات من حوالي أربعين سنة.”
محمود حس إن جسمه كله برد.
“بس أنا شوفته!”
أبوه قال:
“عارف.”
سكت لحظة، ثم أضاف:
“زمان كان الغيط ده بتاعه. وبعد وفاته، الناس بدأت تسمع أصوات وتنادي عليهم بالليل. ومن ساعتها أهل البلد اتفقوا محدش يدخله بعد المغرب.”
محمود بص ناحية الشباك.
وفي اللحظة دي…
سمع صوت خبط خفيف على الزجاج.
تك… تك… تك…
كل الموجودين سكتوا.
محمود قرب من الشباك.
وقبل ما يفتحه، سمع صوت العجوز من بره:
“أنا قلتلك متبصش وراك…”
محمود اتجمد.
وبص لأبوه.
أبوه كان واقف مكانه، وشه شاحب.
لكن الصوت رجع مرة تانية من بره:
“بس إنت بصيت.”
ومن يومها، محمود بقى كل ليلة قبل ما ينام يقفل الشبابيك كويس.
لكن في بعض الليالي، لما الساعة تعدي ٢ بعد منتصف الليل…
بيسمع نفس الصفير جاي من بعيد.
فيوووو… فيوووو…
وبعده مباشرة صوت خطوات بتقف تحت شباكه.
ثم همسة واحدة:
“المرة الجاية… متجريش.”
تابع جديد Ammar Yasser
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق