أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

عندما يصير الغريب أخا

في هذا المقال ستعرف قيمة الصداقة في الحياة و اهمية الأصدقاء و طريقة اختيار الأصدقاء بوظوح

Yassine LihiouYassine Lihiouالكاتب 7 د للقراءة 0.00 المراجعات
عندما يصير الغريب أخا

عن الصداقة حينما يصير الغريب اخا: 

كتبتُ هذا الكلام في ليلةٍ لم أنم فيها. كان هاتفي يرنّ قرب الثانية فجراً، وعلى الشاشة اسمٌ أعرفه منذ اثنتين وعشرين سنة. لم يكن يحتاج أن يقول شيئاً؛ كانت نبرة "الو" كافية لأفهم أن شيئاً ما انكسر في داخله. جلسنا نتكلم حتى أذّن الفجر، وفي الصباح لم أكن متعباً كما توقعت. بالعكس، نمتُ ساعتين ونهضتُ وأنا أشعر بشيء غريب، شيء يشبه الامتنان. حينها فكرت: لماذا نشعر أننا أكبر من أنفسنا حين نكون مع أصدقائنا الحقيقيين؟

image about عندما يصير الغريب أخا لم أقرأ كتباً كثيرة عن الصداقة، ولن أدّعي ذلك. لكنني عشتُها، وخسرتُها، وأخطأتُ في حقها، وسامحتُ وسُومِحتُ. وما سأكتبه هنا ليس فلسفة، بل خلاصة تجربة رجل عادي، قد يكون أصغر منك أو أكبر، لا يهم.

الصداقة ليست ما نراه على الشاشات

علّمتنا الأفلام أن الصديق هو من يقف معك في المعركة، من يضحّي بنفسه، من يقول لك "سأكون هناك دائماً". وهذه صورة جميلة، لكنها مضللة. لأن الصداقة الحقيقية، في رأيي، لا تُقاس باللحظات الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها أحد.

الصديق الحقيقي هو الذي يعرف كم ملعقة سكر تحب في شاي العشاء، وليس الذي يعرف كيف ينقذك من حريق. هو الذي يسألك "هل نمتَ جيداً؟" وليس الذي يقول لك "اتصل بي إن احتجتني". لأن عبارة "اتصل بي إن احتجتني" في معظم الأحيان تكون مجاملة مهذبة، أما "هل نمتَ جيداً؟" فهي اهتمام حقيقي لا يحتمل التصنّع.

الصداقة ليست أن نتكلم كل يوم. لديّ صديق لا أتحدث معه أحياناً لأشهر. لكن حين نتكلم، نبدأ من حيث توقفنا، وكأن الزمن لم يمرّ أصلاً. لا يوجد ذلك الغلاف الثقيل من المجاملات، ولا تلك الدقائق الأولى المملة من "كيف حالك؟" و"ماذا أخبارك؟" التي نتبادلها مع الغرباء. نبدأ مباشرة من القلب. هذا النوع من الراحة لا يُشترى بمال.

الصمت الذي لا يحتاج أن يُملأ

أكثر ما يميز الصداقة الحقيقية، في تجربتي، هو القدرة على الصمت معاً. أن تجلس مع شخص ولا تحتاج أن تقول شيئاً. لا تشعر بالحرج، ولا بالضغط، ولا بالإلزام. الصمت بين الغرباء ثقيل، لكنه بين الأصدقاء خفيف كالريشة.

أتذكر أيام الجامعة، كنت أجلس مع صديق لي في المكتبة ساعات طويلة، كل واحد منا غارق في كتابه أو في أفكاره. لم نتبادل خلالها أكثر من كلمتين. وفي النهاية كنا نخرج ونحن نشعر أننا قضينا أجمل وقت. لأننا لم نكن نحتاج الكلام لنشعر أننا معاً.

هذا ما يجهله كثيرون: الصداقة ليست حفلة كلام مستمر. هي مساحة يمكنك أن تكون فيها نفسك، بكل ما فيك من صمت، بكل ما فيك من ثقل، دون أن تخاف أن يُوصف صمتك بالبرود أو ثقلك بالملل.

الصديق الذي يقول لك “لا”

في السنوات الأخيرة، تعلمتُ أن الصداقة الحقيقية ليست أن يوافقك صديقك على كل شيء. بالعكس، الصديق الذي يوافقك دائماً قد يكون أخطر من عدوك. لأنه لن ينصحك، بل سيمدحك. لن يصحح مسارك، بل سيسير خلفك وأنت تسير نحو الهاوية.

الصديق الحقيقي هو من يجرؤ على قول "لا" في وجهك. من يقول لك "أنت مخطئ" دون أن يخاف أن تفقدك. ومن يقولها بحب، لا بشماتة. وقد عشتُ هذا الأمر بنفسي. كان لديّ قرار في حياتي المهنية، وأجمع من حولي على أنه صائب. الجميع شجعني. إلا واحداً، قال لي بصراحة: "أنا أخشى أنك تتهرب، لا أنك تختار." غضبت منه وقتها. لم أكلمه أسبوعاً. لكنه كان محقاً، ولولا كلمته تلك لدفعتُ ثمناً باهظاً.

الصداقة الحقيقية ليست مرآة تعكس ما نريد سماعه، بل نافذة نرى من خلالها ما نخشى رؤيته.

الفرق بين الصديق والرفيق

كثيراً ما نخلط بين الاثنين. الرفيق هو من يشاركك وقتاً ممتعاً، من يضحك معك، من يخرج معك، من يملأ فراغك. هذا ليس شيئاً سيئاً، نحتاج كلنا إلى رفقاء. لكن الرفيق قد يختفي حين تتغير الظروف، حين تتعثر، حين تحتاج من يحمل عنك بعض الحمل. أما الصديق فيظهر في تلك اللحظة تحديداً.

الرفيق يحبك لأنك ممتع. الصديق يحبك لأنك أنت، حتى في أسوأ لحظاتك. الرفيق يختفي حين تصبح ثقيلاً. الصديق يبقى ويحمل معك.

في حياتي، مرّ عليّ رفقاء كثيرون. ضحكنا، وسافرنا، وقضينا أجمل الأوقات. ثم تفرقنا، ليس بغضب، بل بالنسيان. وهذا طبيعي. لكن بقي ثلاثة، أو أربعة، هم الذين أعرف أنهم سيكونون هناك لو خسرتُ كل شيء غداً. وهؤلاء لا يُقاسون بالعدد. واحدٌ منهم خير من ألف رفيق.

الصداقة والزمن: النادرة التي تكبر معك

يقولون إن الصداقة كالنبات، إما أن تسقيها فتنمو، أو تهملها فتموت. وأنا أؤمن بهذا جزئياً. لكن هناك نوع نادر من الصداقة لا يحتاج سقياً يومياً. صداقة تكبر رغم الغياب، تنمو رغم الانشغال، تبقى رغم المسافات. هذا النوع لا ينكره الزمن، بل يقوّيه. لأن الزمن حين يمر، لا يمحي المودة، بل يمحي التكلّف. ويصبح ما يربطكما أعمق من الكلام، أعمق من الاهتمامات المشتركة، أعمق من الظروف. يصبح شيئاً أشبه بالدم.

حين تخسر صديقاً

لم أتحدث حتى الآن عن الجانب الآخر. الصداقة ليست دائماً جميلة. أحياناً تخسر صديقاً، والوجع لا يكون كوجع الحب. إنه أهدأ، لكنه أعمق. لأنه لا يوجد احتفال بالانفصال، ولا دموع، ولا مواساة. فقط فراغ غريب في مكان لم تكن تنتبه له. وفي لحظات معينة، تتذكر شيئاً صغيراً وتقول في نفسك: "كان فلان سيعرف معنى هذا". ثم تتذكر أنه لم يعد هناك.

خسرتُ صديقاً منذ سنوات. لم يحدث بيننا خلاف، ولم يجرحني، ولم أجرحه. فقط... توقفنا. ابتلعتنا الحياة. وأحياناً أفكر أن أتصل، لكنني أتردد. ماذا سأقول له بعد كل هذه السنوات؟ وكأن الصداقة بحاجة إلى أعذار. وكأنها كائن هشّ ينكسر بالغياب، مع أنها في الحقيقة لا تنكسر بالغياب، بل بالنسيان. وأنا لم أنسه. هو فقط لم يعد يعرف أنني لم أنسه.

الصداقة كاختيار يومي

لطالما سمعت أن الصداقة تحدث صدفة. وهذا خطأ في رأيي. الصداقة ليست صدفة، بل اختيار. اختيار يومي. نختار أن نهتم، نختار أن نسأل، نختار أن نحمل. حتى في الأيام التي لا نكون فيها بخير. حتى في الأيام التي لا نكون فيها قادرين على العطاء.

الغريب أننا نستثمر في أشياء كثيرة: في عملنا، في سيارتنا، في ملابسنا. لكننا نستثمر في الصداقة كأنها مضمونة. وكأن من نحبهم سيبقون إلى الأبد، لا لأنهم يحبوننا، بل لأننا نحن نستحق ذلك. وهذا خطأ. الصداقة كائن حي، إما أن تعطيه حياة، أو يعطيك موتاً بطيئاً دون أن تشعر.

ما تعلمته

تعلمتُ أن الصداقة ليست أن تجد شخصاً يفهمك، بل أن تجد شخصاً لا يتعب من محاولة فهمك. تعلمتُ أن الصديق ليس من يجاملك بل من يصارحك، وأن الرحمة ليست دائماً في القول اللطيف، بل أحياناً في الكلمة القاسية التي تنقذ. تعلمتُ أن الصمت مع الصديق لا يقل قيمة عن الكلام معه. تعلمتُ أن الصديق الحقيقي لا يمنعك من الخطأ، لكنه لا يتركك وحدك حين تخطئ. تعلمتُ أن الصداقة لا تُقاس بعدد السنين، بل بعدد اللحظات التي شعرتَ فيها أنك لست وحدك.

وأكثر ما تعلمته: أن الله لا يمنحك الصديق الصدوق بالمجان. يمنحك إياه لتختبره، ولتحافظ عليه، ولتكون أنت أيضاً صديقاً يستحق. لأن الصداقة كما تُؤخذ، تُعطى. وكما تُطلب، تُبذل.

في النهاية

لا أريد أن أختم بجملة جميلة تدخل في خانة "كلام يصلح للنشر على فيسبوك". سأختم بسؤالٍ فقط، سؤال أطرحه على نفسي قبل أن أطرحه عليك: متى آخر مرة قلت لصديقك الحقيقي إنك تحبه؟ لا رسالة، ولا منشور، ولا مكالمة. بل ببساطة، جملة صادقة تُلقيها في وجهه، ثم تصمت.

افعلها اليوم، قبل الغد. لأن الصداقة الحقيقية لا تُحتمل التأجيل.

تابع جديد Yassine Lihiou

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق