في هذا المقال
اسمي آدم. أبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عامًا، وأعمل موظفًا بسيطًا في شركة إعلانات. أخرج من منزلي كل صباح عند التاسعة، ولا أعود إليه إلا مع حلول الثامنة مساءً، منهكًا، كأن النهار قد انتزع مني آخر ما أملك من طاقة.
لست متزوجًا، ليس لأنني لم أحلم يومًا بتكوين أسرة، بل لأن القدر أغلق في وجهي بابًا تمنيت أن أعبره. أخبرني الأطباء منذ سنوات أنني عقيم، ومنذ تلك اللحظة شعرت وكأن حلم الأبوة احترق قبل أن تتاح لي فرصة الاقتراب منه.
أعيش وحدي في شقة صغيرة لا تضم سوى غرفة نوم متواضعة وصالون لا يتجاوز بضعة أمتار. فوقي مباشرة يعيش أخي مع زوجته وأطفاله، لكن المسافة بيننا لم تكن يومًا طابقًا واحدًا، بل دهرًا كاملًا . نادرًا ما يطرق بابي، بل إن الحقيقة أنه لا يفعل أبدًا. لا ألومه كثيرًا؛ ربما أنهكته الحياة وهو يسعى وراء قوت يومه، لكن ذلك لا يغير حقيقة أنني أصبحت وحيدًا.
كل مساء أفتح باب شقتي، فتستقبلني الجدران نفسها، والأثاث نفسه، والصمت نفسه. حتى خطواتي فوق الأرضية أصبحت مألوفة إلى درجة أنني أستطيع تمييز صداها عن غيره .
وفي ليالٍ كثيرة، كنت أتمنى لو استطعت العودة إلى ذلك الطفل الذي كنته يومًا؛ الطفل الذي كان يظن أن المستقبل مليء بالمفاجآت الجميلة، وأن الحياة تمنح الجميع فرصة ليحققوا أحلامهم.
لا أذكر متى انحرفت حياتي عن الطريق الذي رسمته لها. ربما حدث ذلك ببطء، خطوة بعد أخرى، حتى وجدت نفسي في مكان لم أخطط للوصول إليه. لم أشعر أنني ضعت إلا بعدما التفت إلى الوراء، فاكتشفت أن القطار الذي انتظرته طويلًا قد غادر المحطة... وتركني أقف وحدي، أراقب أثره وهو يختفي في الأفق.
كنت أطلب من الحياة شيئًا واحدًا فقط... فرصة أخيرة. فرصة أعيش فيها كما تمنيت دائمًا، قبل أن يسبقني العمر وتصبح الأحلام مجرد ذكريات لم تولد.
وأحيانًا، كانت تراودني فكرة مؤلمة. كنت أتمنى لو أن أمي، وأنا طفل حذرتني من الوحدة ؛ فالوحدة ليست غياب الآخرين فحسب، بل صوت خافت يسكن القلب، ويأكل منه جزءًا صغيرًا كل يوم، حتى لا يتبقي منه شئ .
وفي أحد الأيام، عدت إلى المنزل عند الثامنة مساءً كعادتي. ألقيت حقيبتي على الأريكة، ثم غيرت ملابسي جلست قليلا علي الأريكة و أنا أتساءل هل أذهب لأزور أخي أم أنني سوف أكون ضيفًا ثقيل الظل ثم دخلت المطبخ لأعد عشاءً بسيطًا، بينما كان الصمت يملأ الشقة كأنه ساكنها الوحيد.
وفجأة...اهتز هاتفي.
توقفت يدي فجأة ، وحدقت في الشاشة بدهشة.
رسالة؟
كان الأمر غريبًا، فأنا في العادة لا أتلقى أي رسائل. لا أحد يتذكر أنني موجود أصلًا.
فتحتها ببطء، فوجدت كلمات قصيرة تقول:
– من أنت؟
ترددت لحظة، ثم كتبت:
– اسمي آدم... من معي؟
لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى جاء الرد:
– مرحبًا، أنا ياسر.
ساد الصمت بيننا للحظات، قبل أن تظهر رسالة أخرى:
– كيف كان يومك؟
تجمدت عيناي على الكلمات.
سؤال بسيط... لكنه أيقظ شيئًا في داخلي كنت أظنه مات منذ زمن.
لا أعرف لماذا امتلأت عيناي بالدموع. ربما لأن أحدًا لم يسألني هذا السؤال منذ سنوات طويلة.
ابتلعت غصتي، ثم كتبت:
– كان يومًا عاديًا جدًا... لا شيء يستحق الذكر. و من دون أن أدرك وجدت نفسي أكتب له ماذا عن يومك؟
وصل الرد بعد لحظات:
– لا أعرف ماذا أقول... ربما كان سيئًا، لكنه أفضل من أسوأ أيامي.
لم أفهم ما يقصده تمامًا، لكنني شعرت أن خلف تلك الكلمات حزنًا يشبه حزني... وكأننا شخصان التقيا في منتصف طريق طويل و في منتصفه فقط أدرك أنه إبتعد كثيرًا
تابع جديد Mariam M9hamad
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق