أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشريناكتب · انشر · نمُ
الروايات

الانتقام — حين يعود الماضي

تسترد ليلى حياتها المسلوبة بعد أربع سنوات من خسارة عائلتها بتهمة خيانة باطلة. تعود بخطة انتقام محكمة لإسقاط المتورطين، لكنها تكتشف أن العقل المدبر قد يكون أقرب الناس إليها، لتخير بين الاستمرار في انتقامها أو النجاة من التحول لنسخة من أعدائها.

Yomna SabryYomna Sabryالكاتب 5 د للقراءة 0.00 المراجعات
الانتقام — حين يعود الماضي
image about الانتقام — حين يعود الماضي

رواية: الانتقام — حين يعود الماضي

الفصل الأول: عودة الموتى

لم تكن ليان تؤمن بالأشباح، لكنها كانت تؤمن بأن الماضي لا يموت.

كان يختبئ في زوايا الذاكرة، خلف الوجوه المبتسمة، وفي الأصوات التي تسمعها قبل النوم، ينتظر اللحظة المناسبة ليعود ويطالب بحقه. وفي تلك الليلة، عاد الماضي إليها في صورة رسالة قصيرة:

«لقد عاد الرجل الذي قتل أباكِ.»

توقفت أصابعها فوق شاشة الهاتف. لم ترتجف، ولم تصرخ، ولم تسقط منها دمعة واحدة. اكتفت بالنظر إلى الكلمات طويلًا، كأنها تقرأ خبرًا عن امرأة أخرى لا تعرفها.

ثم ابتسمت.

لم تكن ابتسامة فرح، بل ابتسامة شخص انتظر طويلًا حتى جاءت اللحظة التي خطط لها. وضعت الهاتف على الطاولة، وفتحت الدرج السفلي من مكتبها. أخرجت منه صورة قديمة لرجل يقف بجوار والدها أمام منزل العائلة. كان الرجل يرتدي بدلة سوداء، ويضع يده على كتف أبيها في ألفة صادقة.

ذلك الرجل كان اسمه آسر الشافعي.

الرجل الذي شهد ضد أبيها في المحكمة. الرجل الذي أقسم أمام الجميع أنه لم يرَ شيئًا. والرجل الذي بنى ثروته فوق أنقاض عائلة ليان.

مررت أصابعها على الصورة، ثم قالت بصوت هادئ:

«أهلًا بعودتك يا آسر. أتمنى أن تكون قد استمتعت بالسنوات الأربع الماضية، لأن السنوات القادمة لن تشبهها أبدًا.»


قبل أربع سنوات، كانت ليان فتاة عادية تحلم بحياة بسيطة. كانت تدرس الأدب، وتحب المطر، وتعتقد أن الحقيقة تظهر مهما طال الوقت. 

ثم جاء ذلك اليوم. اقتحمت الشرطة منزلهم قبل الفجر. صراخ في الممرات، أبواب تُفتح بعنف، ووالدها يقف في منتصف الصالة بوجه شاحب، بينما كان أحد الضباط يقرأ اتهامات لم تفهم منها ليان سوى كلمة واحدة: الخيانة.

اقتادوا والدها أمام عينيها. وفي المحكمة، وقف آسر ليشهد ضده. لم ينظر إليها مرة واحدة.

وحين صدر الحكم، التفت والدها نحوها. لم يطلب منها أن تنقذه، ولم يصرخ بأنه بريء. قال فقط:

«إياكي ان تخلي الكراهية تغيّرك يا ليلى. الحقيقة أهم من إنك تنتقمي.»

كانت تلك آخر مرة تسمع فيها صوته.

بعد أشهر، مات والدها في السجن، واختفى أخوها آدم، وأصبحت العائلة التي كانت تملك بيتًا مليئًا بالضحكات مجرد اسم يتناقله الناس في أحاديثهم.

أما ليان، فقد اختفت هي الأخرى. لكنها لم تكن تهرب. كانت تتعلم.

تعلمت كيف تقرأ العقود، وكيف تكتشف التناقضات في الشهادات، وكيف تبحث عن الحقيقة خلف الأرقام التي يظن أصحاب الأموال أنها لا تكذب. عملت بصمت، وجمعت الأدلة قطعة بعد قطعة، حتى عرفت أن قضية أبيها لم تكن مجرد مؤامرة، بل جزءًا من شبكة فساد امتدت لسنوات.

والآن، كانت مستعدة لفتح الباب الذي أغلقه الجميع.


في صباح اليوم التالي، دخلت ليان قاعة مزاد مراد فاخر يرتاده كبار رجال الأعمال في المدينة. كانت ترتدي فستانًا أسود بسيطًا، وتحمل حقيبة صغيرة، وعلى وجهها هدوء لا يسمح لأحد بقراءة ما يدور داخلها.

في نهاية القاعة، كان آسر يقف محاطًا برجال يتسابقون إلى مصافحته.

اقتربت منه.

«مساء الخير، أستاذ آسر.»

التفت إليها بأدب، ثم تجمدت ابتسامته للحظة. عرفها رغم السنوات التي مرت، ورغم اختلاف ملامحها ونبرة صوتها، عرف الفتاة التي كانت تقف خلف الزجاج في المحكمة، تنتظر منه أن يقول كلمة واحدة تنقذ أباها.

قال بتردد:

«ليان؟»

مدت يدها لمصافحته.

«مبسوطة إنك لسه فاكرني.»

صافحها، لكن يده كانت باردة.

«سمعت إنك رجعتي البلد. إزيك؟»

«بخير. أحسن مما تتخيل.»

نظر إليها بعينين ضيقتين.

«أنتِ عارفة إن اللي حصل زمان كان خارج عن إرادتي.»

مالت برأسها قليلًا.

«غريبة. أنا طول عمري فاكرة إن الشهادة في المحكمة بتكون بإرادة صاحبها.»

اختفت ابتسامته. وقبل أن يرد، أخرجت من حقيبتها بطاقة صغيرة ووضعتها في جيب سترته.

«اعتبرها دعوة شخصية. عندك ثلاثة أيام.»

«ثلاثة أيام لإيه؟»

ابتعدت خطوة، ثم قالت:

«عشان تفتكر كل حاجة قلت إنك نسيتها.»

تركته واقفًا وسط القاعة، محاطًا بالناس الذين لا يعرفون أن الرجل الذي يصفقون له بدأ يفقد السيطرة على حياته.

لكن ليان لم تكن تعلم أن شخصًا آخر كان يراقبها من الطابق العلوي. شخصًا انتظر عودتها أكثر مما انتظرها مراد.

وعندما ابتعدت عن المبنى، اهتز هاتفها برسالة جديدة من رقم مجهول:

«لو عايزة تعرفي مين قتل أبوكي فعلًا، بطّلي تدوري على آسر.»

توقفت في منتصف الطريق. قرأت الرسالة مرة أخرى. ثم ظهر سطر ثانٍ:

«أخوكي آدم لسه عايش.»

لأول مرة منذ أربع سنوات، اختفى الهدوء عن وجهها. لم يكن آسر هو الحقيقة الكاملة. ولم تكن خطتها مبنية على القصة الصحيحة.

رفعت عينيها نحو المبنى الزجاجي، حيث كان آسر يقف خلف إحدى النوافذ، يراقبها من بعيد. ثم نظرت إلى هاتفها مجددًا.

أربع سنوات من البحث، وآلاف الساعات من التخطيط، وكل خطوة اتخذتها كانت تقودها إلى رجل واحد.

لكن ماذا لو كان الرجل الذي تريد الانتقام منه مجرد طُعم؟ وماذا لو كان الشخص الذي تبحث عنه طوال هذه السنوات هو نفسه الشخص الذي بدأ كل شيء؟

أغلقت ليان الهاتف، وأخذت نفسًا عميقًا. لم تعد تعرف من تثق به.

لكنها عرفت شيئًا واحدًا:

لن تتراجع.

هذه المرة، لن تبحث عن الحقيقة لتبرئ اسم أبيها فقط. ستبحث عنها حتى لو كانت الحقيقة نفسها هي الشيء الوحيد القادر على تدميرها.

وفي مكان بعيد عن المدينة، جلس رجل أمام شاشة تعرض صورتها. ابتسم، ثم قال لمن يقف خلفه:

«أخيرًا رجعت يا ليان. دلوقتي اللعبة الحقيقية هتبدأ.»

تابع جديد Yomna Sabry

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق