أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

الانتقام — حين يعود الماضي

تسترد ليان حياتها المسلوبة بعد أربع سنوات من خسارة عائلتها بتهمة خيانة باطلة. تعود بخطة انتقام محكمة لإسقاط المتورطين، لكنها تكتشف أن العقل المدبر قد يكون أقرب الناس إليها، لتخير بين الاستمرار في انتقامها أو النجاة من التحول لنسخة من أعدائها.

Yomna SabryYomna Sabryالكاتب 13 د للقراءة 0.00 المراجعات
الانتقام — حين يعود الماضي

image about الانتقام — حين يعود الماضيالفصل الثالث • ثمن الحقيقة

في تلك الليلة، لم تنم ليان. جلست أمام مكتبها، والهاتف بين يديها، تقرأ الرسالة الأخيرة مرارًا:

«اختاري مين فيهم هتنقذيه.»

أسفل الرسالة كانت هناك صورتان؛ الأولى لآدم، والثانية ليوسف. لم يكن في الصور ما يوضح مكانهما، لكن على صورة يوسف ظهرت ساعة حائط تشير إلى التاسعة، بينما حملت صورة آدم تاريخًا يعود إلى اليوم نفسه.

لم تكن تعرف إن كانت الصورتان حديثتين أم أن أحدهم يتلاعب بها. فتحت محادثة يوسف وكتبت:

«إنت فين؟ لازم نتكلم.»

لم يصلها رد. اتصلت به مرة، ثم مرتين. وفي المرة الثالثة، أُغلق الهاتف تمامًا.

شعرت بأن كل شيء يتحرك حولها بسرعة، بينما هي عالقة في منتصف شبكة لا تعرف أطرافها. يوسف يخفي شيئًا، وآسر يريد التسجيل، وفؤاد يتصرف وكأنه لم يسمع يومًا باسم المؤامرة التي دمرت عائلتها.

أما آدم، أخوها الذي بحثت عنه أربع سنوات، فقد عاد فجأة إلى حياتها دون أن يمنحها فرصة واحدة لتفهم ما حدث.

نهضت واتجهت إلى النافذة. كانت قد بدأت رحلتها وهي تعرف عدوها. أما الآن، فلم تعد تعرف حتى إن كان الرجل الذي ساعدها على الاقتراب من الحقيقة يريد كشفها أم دفنها إلى الأبد.

رن الهاتف. رقم مجهول.

أجابت فورًا.

«آدم؟»

جاءها الصوت هذه المرة واضحًا، لكنه بدا متعبًا.

«ليان، اسمعيني كويس. متروحيش ليوسف، وماتسلميش التسجيل لآسر.»

«إنت فين؟! أربع سنين يا آدم! أربع سنين وأنا مش عارفة إنت عايش ولا ميت!»

ساد الصمت للحظات. ثم قال بصوت خافت:

«عارف. ومفيش يوم عدى عليا من غير ما أفكر فيكي.»

امتلأت عيناها بالدموع، لكنها حاولت أن تحافظ على تماسكها.

«طب ليه اختفيت؟ وليه يوسف كان عارف مكانك؟»

تنفس آدم بعمق.

«لأن يوسف هو اللي خبّاني. بس مش للسبب اللي قالهولك.»

توقفت ليان عن الحركة.

«يعني إيه؟»

«هتفهمي لما تشوفيني. عندك ساعة واحدة. هبعتلك العنوان.»

وقبل أن تسأله أي سؤال آخر، أنهى المكالمة. وصلت الرسالة بعد أقل من دقيقة. عنوان مخزن قديم بالقرب من الميناء.

أخذت ليان مفاتيح سيارتها، ووضعت التسجيل في حقيبتها، ثم غادرت دون أن تخبر أحدًا.

لم تكن تعرف أن شخصًا آخر كان ينتظر خروجها.


كان المخزن مظلمًا، تتسلل إليه أضواء الميناء من خلال النوافذ العالية. توقفت ليان عند الباب، ونادت بصوت مرتفع:

«آدم؟»

جاءها صوت من الداخل:

«أنا هنا.»

خرج شاب من خلف أحد الأعمدة. احتاجت ليان إلى ثوانٍ لتتعرف عليه.

كان آدم قد تغير كثيرًا. لم يعد ذلك الفتى الذي يضحك طوال الوقت، والذي كان يترك لها نصف قطعة الحلوى الأخيرة بحجة أنه لا يحبها. أصبح وجهه أكثر حدة، ونظرته أكثر حذرًا، لكن ابتسامته الصغيرة حين رآها كانت كافية لتعيد إليها سنوات كاملة من الذكريات. ركضت نحوه واحتضنته.

لم يتكلما في البداية. أربع سنوات من الغياب لا يمكن اختصارها في كلمات، ولا يمكن لعتاب واحد أن يعيد ما فُقد خلالها. ابتعدت عنه أخيرًا، وضربت كتفه بخفة.

«إنت مجنون؟ كنت ممكن تموتني من الخوف عليك!»

ابتسم آدم بحزن.

«حقك عليا.»

ثم اختفت ابتسامته حين رأى التسجيل في يدها.

«لقيتيه؟»

أومأت.

«وشفت يوسف فيه. قولي الحقيقة يا آدم. هل يوسف خان بابا؟»

جلس آدم على صندوق خشبي، وأشار إليها أن تجلس أمامه.

«أنا هحكيلك كل حاجة، بس لازم تسمعيني للآخر.»

بدأ حديثه بليلة القبض على والدهما.

أخبرها أن والده اكتشف تحويلات مالية ضخمة تمر عبر شركات وهمية، وأنه جمع أدلة تدين فؤاد المنشاوي وعددًا من شركائه. لكنه لم يكن يعلم أن شخصًا من داخل دائرته المقرّبة كان يرسل إليهم تفاصيل تحقيقاته.

قبل القبض على والده بأيام، اكتشف آدم أن بعض الملفات اختفت من مكتبه. وفي الليلة نفسها، اتصل به يوسف وطلب منه أن يغادر المنزل فورًا.

«يوسف قال لي إن فيه ناس بتراقبنا، وإن بابا طلب منه يحميني لو حصل أي حاجة. خدني لمكان بعيد، ومن يومها وأنا عايش باسم مختلف.»

سألته ليان:

«بس التسجيل بيظهره وهو بيتكلم مع بابا قبل القبض عليه. إزاي عرفت تثق فيه؟»

خفض آدم عينيه.

«لأني في الأول ماكنتش واثق فيه. لكن بعد فترة، جاب لي نسخة من مستندات بابا، وقال لي إنه كان بيحاول يعرف مين اللي سرّب الملفات. وبعدها اختفى هو كمان فترة، ورجع يقول لي إن آسر وفؤاد بيدوروا على الدليل الأخير.»

«وإنت صدقته؟»

«ماكانش عندي غيره.»

نهضت ليان بعصبية.

«يعني ممكن يكون هو اللي سرّب الملفات، وبعدها عمل نفسه المنقذ؟»

لم يجب آدم. وكان صمته كافيًا ليزيد شكوكها.

أخرجت الصورة القديمة التي وجدتها في الخزانة، ووضعتها أمامه.

«مين الراجل الخامس ده؟»

تغير وجه آدم فورًا.

أمسك الصورة، وظل ينظر إليها طويلًا.

ثم قال:

«ده مش راجل غريب يا ليان. ده سامح، المحاسب اللي كان شغال مع بابا.»

«سامح مات من خمس سنين، قبل القضية أصلًا.»

«لأ.»

رفع آدم عينيه إليها.

«سامح ما ماتش. هو اختفى بعد ما اكتشف إن الحسابات اللي بابا كان بيحقق فيها اتعدلت قبل ما توصل له. وكان هو آخر شخص شاف النسخة الأصلية من الملفات.»

شعرت ليان أن قطعة جديدة من اللغز قد استقرت في مكانها.

«يعني سامح عنده الدليل؟»

«أو كان عنده.»

وقبل أن يكمل، سمعا صوت سيارة تتوقف خارج المخزن. تبادل الاثنان نظرة سريعة.

أطفأ آدم المصباح الصغير الذي كان بجواره، ثم أشار إلى ليان أن تبتعد عن النافذة.

دخل رجلان من الباب الرئيسي. جاء صوت أحدهما واضحًا:

«المكان فاضي. فتشوا كل حاجة.»

أمسك آدم بيد أخته، وقادها إلى باب جانبي ضيق.

وقبل أن يخرجا، دوّى صوت ثالث من خلفهما:

«مش محتاجين تستخبوا. إحنا عارفين إنكم هنا.»

التفتت ليان. كان آسر الشافعي يقف عند مدخل الممر. لم يبدُ متفاجئًا برؤية آدم. بل نظر إليه كما ينظر شخص إلى شيء ظل يبحث عنه طويلًا.

«أخيرًا قابلنا بعض يا آدم.»

وقف آدم أمام أخته.

«إنت عايز إيه؟»

أجاب آسر بهدوء:

«الدليل اللي مع أختك. وبالمقابل، هسيبكم تمشوا.»

ضحكت ليان بسخرية.

«زي ما سبت بابا يموت؟»

لمعت في عيني آسر نظرة غاضبة، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه.

«أبوكِ كان أذكى من اللازم، ورفض يسمع النصيحة. كان ممكن كل ده مايحصلش لو سلّم الملفات من البداية.»

«يعني إنت معترف إنك كنت جزء من المؤامرة؟»

«أنا مش جاي أعترف بحاجة. أنا جاي أديكم فرصة أخيرة.»

أخرج هاتفه، وعرض عليهما صورة لرجل يجلس في غرفة صغيرة، ويداه مقيدتان إلى كرسي. كان يوسف.

شعرت ليان بصدمة لم تستطع إخفاءها.

«إنتوا خاطفينه؟»

أجاب آسر:

«هو اللي حط نفسه في المكان ده. عنده حاجة إحنا محتاجينها، وهو رافض يقول مكانها.»

ثم نظر إلى آدم.

«وأنا متأكد إنك تعرف هو مخبيها فين.»

لم يتكلم آدم، لكن ليان لاحظت أن يده انقبضت بشدة. في تلك اللحظة، فهمت أن أخاها يعرف أكثر مما أخبرها.

قالت لآسر:

«لو يوسف معاك، يبقى أكيد عارف إن التسجيل مش معاك. إنت محتاجني أنا.»

ابتسم آسر ابتسامة خفيفة.

«واضح إنك فعلًا بنت أبوكِ.»

ثم أضاف:

«قدامك عشر دقايق. يا تسلميني الدليل، يا يوسف مش هيخرج من المكان اللي هو فيه.»

تقدمت ليان خطوة.

«ولو سلّمتك التسجيل، هتسيبنا نمشي؟»

«عند كلمتي.»

نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:

«مشكلتك إنك فاكر إن الناس لسه بتصدق كلامك.»

أخرجت من حقيبتها وحدة تخزين صغيرة، ورفعتها أمامه. لكنها لم تكن التسجيل الأصلي. كانت نسخة فارغة أعدّتها قبل مغادرة شقتها، تحسبًا لمواجهة كهذه.

أخذها آسر، وفحصها سريعًا، ثم أشار إلى رجليه بالانصراف.

«خدوهم.»

تحرك الرجلان نحوهما.

وفي اللحظة التي اقتربا فيها، دوّى صوت إنذار سيارة من خارج المخزن، أعقبه صوت ارتطام قوي. التفت الجميع نحو الباب.

استغل آدم اللحظة، وسحب ليان إلى الممر الجانبي، وانطلقا عبر مخرج خلفي إلى الشارع. لم يتوقفا إلا بعدما ابتعدا عدة شوارع.

كانت ليان تلهث، والغضب يملأ صوتها.

«إنت كنت عارف إن يوسف عندهم، صح؟»

أجاب آدم وهو يحاول التقاط أنفاسه:

«كنت شاكك.»

«شاكك؟! يعني سيبتني أروح لوحدي؟»

«كنت بحاول أوصل له قبل آسر.»

نظرت إليه بعدم تصديق.

«أنا مش عارفة أثق في مين خلاص.»

خفض آدم رأسه.

«أنا فاهم. بس فيه حاجة لازم تعرفيها. يوسف مش الشخص الوحيد اللي كان بيحاول يخفي الحقيقة.»

«مين كمان؟»

تردد للحظة، ثم قال:

«سامح. هو اللي بعتلك الرسالة الأولى.»


في صباح اليوم التالي، ذهبت ليان إلى عنوان قديم وجدته ضمن مستندات والدها. كان منزلًا صغيرًا في أحد الشوارع الهادئة، لا يحمل أي علامة تدل على أن صاحبه قد يكون مفتاح قضية فساد امتدت لسنوات.

طرقت الباب. لم يفتح أحد. طرقت مرة أخرى، فسمعت حركة من الداخل، ثم ظهر رجل في أواخر الخمسينيات، شاحب الوجه، يحمل نظارة سميكة.

نظرت إليه.

«أستاذ سامح؟»

تغيرت ملامحه.

«إنتِ مين؟»

«أنا ليان، بنت محمود عبد الرحمن.»

تراجع الرجل خطوة، وكأنه سمع اسمًا من الماضي كان يحاول نسيانه. بعد دقائق، كانت تجلس في غرفة صغيرة أمامه، بينما وضع آدم نسخة من الصورة القديمة فوق الطاولة. لم يحاول سامح الإنكار.

قال بصوت متعب:

«كنت عارف إن اليوم ده هييجي.»

سألته ليان مباشرة:

«مين خان أبويا؟»

أغمض عينيه.

«مش شخص واحد. فؤاد كان صاحب النفوذ والفلوس، وآسر كان بيضمن إن الأدلة تختفي، لكن الشخص اللي سرّب الملفات من داخل الشركة كان يوسف.»

شعرت ليان بأن شكوكها تتحول إلى حقيقة.

لكن سامح رفع يده، وأضاف:

«استني. يوسف سرّب نسخة من الملفات فعلًا، لكن مش لفؤاد. بعتها لجهة رقابية عشان يضمن إن الأدلة تفضل موجودة لو حصل له أي حاجة. المشكلة إن الرسالة اتسربت قبل ما توصل، وفؤاد عرف إن أبوكي بيجهز لكشف الشبكة كلها.»

تجمدت ليان.

«يعني يوسف كان بيحاول يساعده؟»

«في البداية، أيوه. لكن بعد القبض على أبوكي، خاف. ولما اكتشف إن آدم معاه نسخة من الدليل الأخير، قرر يخفيه لحد ما يلاقي طريقة آمنة لكشف الحقيقة.»

سأل آدم:

«والدليل الأخير فين؟»

نظر سامح إليهما طويلًا، ثم فتح خزانة صغيرة وأخرج ظرفًا مختومًا.

«أبوكِ سلّمهولي قبل القبض عليه. كنت المفروض أقدمه للنيابة، لكن بعد اللي حصل، خفت على عيلتي. احتفظت بيه كل السنين دي.»

فتحت ليان الظرف. في الداخل كانت هناك مستندات أصلية، وتحويلات مالية، ورسالة موقعة من فؤاد، إضافة إلى ورقة صغيرة تحمل أسماء الأشخاص المتورطين. قرأت الأسماء بسرعة.

آسر الشافعي.

فؤاد المنشاوي.

يوسف.

ثم توقفت عند اسم رابع لم تتوقع رؤيته. الاسم الذي كانت تثق بصاحبه أكثر من أي شخص آخر. لم تنطق به.

أعادت قراءة الورقة، ثم نظرت إلى سامح.

«الاسم ده… إنت متأكد منه؟»

أجابها بحزن:

«ده الاسم اللي أبوكِ طلب مني أخفيه. لأنه كان عارف إنك لو اكتشفتي الحقيقة، مش هتقدري تسامحيه بسهولة.»

شعرت ليان أن كل ما اعتقدت أنها تعرفه قد انهار. لم يكن العدو مجرد رجل أعمال فاسد. ولم تكن الخيانة مجرد شهادة كاذبة في المحكمة.

لقد كانت أقرب إليها مما تخيلت، وربما كانت السبب في أن والدها لم يستطع الدفاع عن نفسه. وقبل أن تتمكن من سؤال سامح عن أي شيء آخر، رن هاتفها.

رسالة من رقم مجهول.

«يوسف لسه عايش. لو عايزة تنقذيه، تعالي لوحدك. ومعاكي المستندات الأصلية.»

أسفل الرسالة، كان هناك عنوان وموعد: الثامنة مساءً.

نظر آدم إلى الشاشة، ثم قال:

«ده فخ.»

أغلقت ليان الهاتف.

«عارفة.»

«يبقى مش هتروحي.»

رفعت عينيها إليه، وكانت نظرتها مختلفة تمامًا عن كل مرة سابقة.

«لا. هروح.»

«ليان، إنتِ مش فاهمة—»

قاطعته:

«أنا قضيت أربع سنين بدور على الحقيقة، وكل مرة كنت بوصل لحد، ألاقي حد تاني مخبي جزء منها. المرة دي مش هسيب حد يقرر عني أعرف إيه وماأعرفش إيه.»

سكت آدم.

ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا ووضعه في يدها.

«لو هتروحي، لازم تعرفي إن فيه حاجة يوسف مخبيها عننا كلنا.»

«إيه هي؟»

نظر إلى المستندات، ثم قال:

«أبوكي ماكانش الضحية الوحيدة في القضية دي. فيه شخص تاني مات بسبب المؤامرة، وموته هو السبب الحقيقي اللي خلّى يوسف يوافق يساعدنا.»

«مين؟»

أجابها بصوت منخفض:

«والدة فؤاد المنشاوي.»

عقدت ليان حاجبيها.

«إيه علاقة أمه بكل ده؟»

«قبل موتها بشهور، اكتشفت إن ابنها بيستخدم شركات العائلة في عمليات مشبوهة. وكانت ناوية تبلغ عنه. بعد موتها، اتقفلت القضية باعتبارها وفاة طبيعية، لكن يوسف اكتشف إن فيه مستندات اتغيرت في تقريرها الطبي.»

ساد الصمت. أدركت ليان أن القضية لم تعد تتعلق بوالدها وحده. كانت هناك حياة أخرى دُمّرت، وحقيقة أخرى دُفنت، وربما كان كل ما حدث مجرد محاولة لإخفاء جريمة أقدم.

أغلقت الظرف، ووضعته في حقيبتها.

«يبقى الليلة هننهي كل ده.»


في الثامنة تمامًا، وصلت ليان إلى العنوان المرسل إليها.

كان مبنى إداريًا مهجورًا، يقع على أطراف المدينة. دخلت من الباب الرئيسي، والمستندات الأصلية في حقيبتها، بينما كان هاتفها يسجل الصوت تلقائيًا.

في نهاية الممر، وجدت يوسف جالسًا على كرسي، ووجهه شاحبًا، لكن عينيه كانتا مفتوحتين. رفع رأسه حين رآها.

«ليان؟! إنتِ عملتي إيه؟ قلتلك ماتجيش!»

اقتربت منه.

«أنا مش جاية عشان أنقذك وبس. أنا جاية عشان أعرف الحقيقة.»

قبل أن يجيب، ظهر فؤاد من الغرفة المجاورة. كان هادئًا، يرتدي بدلته المعتادة، ويحمل في يده ملفًا أسود.

«كنت عارف إنك هتجي. عندك نفس عناد أبوكِ.»

وقفت ليان بينه وبين يوسف.

«كل الأدلة معايا. لو حصل لي أي حاجة، الملفات هتوصل للجهات المختصة.»

ضحك فؤاد بهدوء.

«لسه فاكرة إن الورق هو اللي بيحكم العالم؟»

«لأ. بس الورق بيفكر الناس بالحقيقة اللي بتحاول تدفنها.»

تغيرت ملامحه.

«أبوكِ كان يقدر يعيش حياة محترمة، لكنه قرر يحارب ناس أكبر منه. أنا عرضت عليه فرصة يبعد، لكنه رفض.»

«فقررت تدمّر حياته؟»

«قررت أحمي نفسي.»

قالها دون تردد. وللمرة الأولى، سمعت ليان اعترافًا صريحًا من الرجل الذي بدأ كل شيء. لكنها لم تكن قد توقعت ما قاله بعد ذلك.

نظر فؤاد إلى يوسف، ثم عاد ببصره إليها.

«بس فيه حاجة إنتِ لسه ماتعرفيهاش. يوسف ماكانش بيحاول يحمي أخوكي بس. هو كان بيحاول يصلح غلطة ارتكبها من زمان.»

التفتت ليان إلى يوسف.

لم ينظر إليها.

قال فؤاد:

«اسأليه مين اللي سلّم عنوان أبوكِ ليلة القبض عليه.»

شعرت ليان بأن قلبها يضرب بقوة.

«يوسف؟»

رفع الرجل رأسه ببطء، وعيناه تمتلئان بالندم.

«أنا ماكنتش أعرف إنهم هيقبضوا عليه الليلة دي. أنا اديت العنوان لآسر عشان أقابله وأسلّمه المستندات، لكن آسر خد العنوان لفؤاد. لما فهمت اللي حصل، كان الوقت فات.»

لم تستطع ليان الكلام.

كان يوسف قد أخفى عنها الحقيقة، لكنه لم يكن العقل المدبر للمؤامرة. كان رجلًا ارتكب خطأً، ثم قضى سنوات يحاول إصلاحه، حتى أصبح خوفه من الاعتراف سببًا في تعقيد كل شيء. ومع ذلك، لم يكن هذا هو السر الأخير.

فتح فؤاد الملف الأسود وأخرج صورة قديمة.

كانت صورة لوالد ليان، يقف أمام مكتبه، وبجواره فتاة صغيرة تحمل دمية.تعرفت ليان على الفتاة فورًا.

كانت هي. لكن على ظهر الصورة، كُتبت جملة بخط والدها:

«الحقيقة التي أحميها ليست عني، بل عن ابنتي.»

تراجعت خطوة.

«إيه معنى الكلام ده؟»

ابتسم فؤاد ابتسامة باردة.

«اسألي آدم عن اللي حصل قبل ما أبوكِ يبدأ التحقيق.»

في تلك اللحظة، رن هاتف ليان.

رسالة واحدة من آدم:

«متصدقيش أي حاجة يقولها فؤاد. أنا جاي لك. وفيه حاجة لازم تعرفيها عن ماما.»

توقفت أنفاسها. أمها ماتت وهي صغيرة، وقيل لها طوال حياتها إن وفاتها كانت نتيجة مرض مفاجئ. لم يخبرها أحد يومًا بوجود أي علاقة لها بالقضية.

رفعت عينيها نحو فؤاد.

«إنت تعرف إيه عن أمي؟»

لم يجب. لكنه ابتسم، وكأن الصمت نفسه أصبح سلاحه الأخير. وفجأة، انطفأت أنوار المبنى.

سمعت ليان صوت باب يُغلق، ثم خطوات تبتعد في الممر. حين عادت الإضاءة بعد ثوانٍ، كان فؤاد قد اختفى.

أما يوسف، فكان يحدق في الباب المفتوح، ويهمس:

«هو عرف إنك وصلتي للحقيقة.»

نظرت ليان إلى حقيبتها. المستندات ما زالت بداخلها، والتسجيل ما زال محفوظًا على هاتفها. لكنها لم تعد تفكر في آسر أو فؤاد.

كانت تفكر في أمها. وفي أبيها الذي ترك لها رسالة تقول إن الحقيقة تتعلق بها. وفي آدم الذي يعرف شيئًا لم يخبرها به طوال السنوات الماضية.

أخرجت الهاتف، واتصلت بأخيها. لم يرد. حاولت مرة أخرى.

لا إجابة. ثم وصلتها رسالة أخيرة. كانت من آدم.

«ليلى، سامحيني. أنا السبب في كل اللي حصل.»

توقفت الكلمات أمام عينيها، وشعرت أن الهواء قد غادر المكان.

بعد أربع سنوات من البحث عن خائن، وبعد كل الأدلة التي جمعتها، اكتشفت أن السر الأكبر لم يكن في ملفات الشركة، ولا في شهادة آسر، ولا حتى في اعتراف فؤاد. كان في عائلتها نفسها.

نظرت إلى يوسف، الذي بدا عاجزًا عن مواجهتها، ثم إلى الباب الذي اختفى خلفه فؤاد.

لم يعد أمامها سوى شخص واحد يمكنه أن يجيب عن السؤال الأخير.

آدم.

أخيها الذي عاد من الموت، ليخبرها الآن أنه السبب في كل شيء.

وفي نهاية تلك الليلة، أدركت ليلى أن الفصل الأخير من انتقامها لن يكون ضد أعدائها فقط… بل ضد الحقيقة التي ظلت تحميها منها طوال حياتها.

تابع جديد Yomna Sabry

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق