أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

الانتقام — حين يعود الماضي

تسترد ليان حياتها المسلوبة بعد أربع سنوات من خسارة عائلتها بتهمة خيانة باطلة. تعود بخطة انتقام محكمة لإسقاط المتورطين، لكنها تكتشف أن العقل المدبر قد يكون أقرب الناس إليها، لتخير بين الاستمرار في انتقامها أو النجاة من التحول لنسخة من أعدائها.

Yomna SabryYomna Sabryالكاتب 11 د للقراءة 0.00 المراجعات
الانتقام — حين يعود الماضي
image about الانتقام — حين يعود الماضي

الفصل الثاني • الحقيقة التي دُفنت

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين وصلت ليان إلى العنوان الذي أُرسل إليها في الرسالة.

شارع ضيق في أطراف المدينة، تحيط به مبانٍ قديمة أكل الزمن جدرانها، ومصابيح متقطعة لا تمنح المارة سوى ما يكفي لرؤية ظلالهم. أوقفت سيارتها أمام مبنى مهجور، وأعادت قراءة الرسالة للمرة العاشرة.

«لو عايزة تعرفي مين قتل أبوكي فعلًا، بطّلي تدوري على آسر. أخوكي آدم لسه عايش.»

أربع سنوات. أربع سنوات قضتها تبحث عن أخيها، زارت خلالها المستشفيات وأقسام الشرطة، ودفعت أموالًا لمن ادّعوا امتلاك معلومات عنه، حتى فقدت الأمل وبدأت تتعامل مع اختفائه باعتباره خسارة أخرى لا يمكن إصلاحها. والآن، يخبرها شخص مجهول أنه حي.

ترجلت من السيارة، وأغلقت الباب بهدوء. لم تكن تعرف إن كانت تسير نحو الحقيقة أم نحو فخ جديد، لكنها كانت تعرف أنها لن تستطيع العودة إلى حياتها قبل أن تتأكد.

صعدت السلم المتآكل حتى وصلت إلى الطابق الثالث، حيث وجدت بابًا خشبيًا مواربًا. طرقت مرتين. جاءها صوت رجل من الداخل:

«ادخلي يا ليان.»

تجمدت في مكانها. لم يكن هذا صوت شخص يعرف اسمها فقط. كان صوتًا تعرفه جيدًا.

دفعت الباب ببطء، فرأت رجلًا يجلس خلف مكتب صغير، وقد امتلأت الطاولة أمامه بأوراق قديمة وصور فوتوغرافية وملفات صفراء. رفع الرجل رأسه. كان أكبر سنًا مما تتذكر، وشعره قد تحول إلى الرمادي، لكن عينيه ظلتا كما هما.

يوسف. 

صديق والدها القديم، والرجل الذي اختفى من حياتهم في الأسبوع نفسه الذي اتُّهم فيه والدها بالخيانة.

همست باسمه:

«إنت؟»

أشار إلى الكرسي المقابل.

«اقعدي. عندنا كلام كتير.»

لم تجلس.

«أخويا فين؟»

تنهد يوسف، ثم فتح درج المكتب وأخرج صورة.

كان آدم واقفًا أمام مبنى لا تعرفه، يرتدي معطفًا داكنًا، ويبدو أكبر من آخر مرة رأته فيها. خلف الصورة كُتب تاريخ يعود إلى شهرين فقط. أمسكتها ليان بأصابع مرتجفة.

«هو فين؟ عايزة أشوفه.»

«مش هتقدري دلوقتي.»

«ليه؟»

«لأنه لو ظهر، الناس اللي كانوا سبب اختفاء أبوكي مش هيسيبوه يعيش يوم واحد.»

تقدمت نحوه، والغضب يتصاعد في صوتها.

«إنت بتقول إيه؟ أربع سنين وأنا بدور عليه! أربع سنين وأنا فاكرة إنه مات، وإنت عندك صور ليه؟»

لم يحاول يوسف الدفاع عن نفسه.

«أنا عارف إنك مش هتسامحيني، وعندك حق. بس وقتها كان لازم أخفي مكانه. أبوكي اكتشف حاجة أكبر بكتير من قضية فساد، وكان آدم الوحيد اللي معاه جزء من الدليل.»

«وأنا؟ ليه محدش قال لي حاجة؟»

نظر إليها طويلًا.

«لأن أبوكي كان عارف إنك لو عرفتي الحقيقة، مش هتوقفي لحد ما توصليلها.»

ضحكت ليان بمرارة.

«كان عارفني كويس فعلًا.»

ثم وضعت الصورة على المكتب بعنف.

«عايزة أعرف كل حاجة. من البداية.»

فتح يوسف أحد الملفات، ودفع نحوها مجموعة من المستندات.

«آسر الشافعي ما كانش لوحده. هو كان واجهة لمجموعة من رجال الأعمال والمسؤولين، بيستخدموا شركات وهمية عشان يسرقوا أموال مشروعات عامة. أبوكي اكتشف الموضوع لأنه كان مسؤول عن مراجعة الحسابات في واحدة من الشركات دي.»

قلبت ليان الأوراق بسرعة. أسماء، تحويلات مالية، تواريخ، وتوقيعات بدت مألوفة. ثم توقفت عند اسم واحد.

فؤاد المنشاوي.

الرجل الذي كان يُشار إليه في الصحف باعتباره واحدًا من أنجح رجال الأعمال في البلاد، وصاحب المؤسسة التي تبرعت بملايين للمستشفيات والجمعيات الخيرية.

رفعت عينيها.

«إيه علاقة فؤاد المنشاوي بالموضوع؟»

أجاب يوسف بصوت منخفض:

«هو اللي كان بيحرك كل حاجة. آسر شهد ضد أبوكي، لكن فؤاد هو اللي ضمن إن القضية تنتهي بالحكم اللي عايزه.»

شعرت ليان بأن الأرض تضيق تحت قدميها. كانت تعرف اسم فؤاد. بل إنها التقت به من قبل، حين كانت في السابعة عشرة، في حفل أقامه والدها احتفالًا بترقية مهنية. كان الرجل قد صافحها يومها، وأخبرها أنها تشبه أباها كثيرًا.

ابتلعت ريقها، ثم سألت:

«ليه دلوقتي؟ ليه تبعتلي الرسالة دي بعد كل السنين دي؟»

أغلق يوسف الملف.

«لأن فؤاد قرر يبيع شركته، والصفقة دي هتخلي كل المستندات القديمة تختفي. وآدم عرف إن دي آخر فرصة نكشف فيها الحقيقة.»

«طيب، آدم فين؟»

وقبل أن يجيب، رن هاتف يوسف.

نظر إلى الشاشة، فتغير وجهه.

رد بكلمة واحدة:

«أيوه.»

استمع لثوانٍ، ثم قال:

«إمتى؟»

صمت طويل.

«لا، محدش يتحرك. هتصرف.»

أنهى المكالمة، ووضع الهاتف على المكتب.

سألته ليان بقلق:

«في إيه؟»

رفع عينيه إليها.

«آسر عرف إنك قابلتيني.»


في صباح اليوم التالي، دخلت ليان مقر مؤسسة المنشاوي الخيرية.

كانت قد أمضت الليل في دراسة المستندات التي حصلت عليها من يوسف، وخرجت باستنتاج واحد: فؤاد لن يكون مجرد اسم في ملف قديم. إنه الرجل الذي يملك القدرة على محو الأدلة، وشراء الصمت، وتحويل أي شخص يقف أمامه إلى متهم.

لكن ليان لم تأتِ لتواجهه باتهامات لا تستطيع إثباتها. جاءت لتقترب منه.

استقبلتها موظفة الاستقبال بابتسامة رسمية، ثم اصطحبتها إلى الطابق الأخير، حيث يقع مكتب فؤاد.

كان يجلس خلف مكتبه الواسع، يراجع بعض الأوراق. رفع رأسه حين دخلت، وما إن رآها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة لا تشوبها شائبة.

«ليان! مش معقول. آخر مرة شفتك فيها كنتِ لسه بنت صغيرة.»

صافحته وجلست أمامه.

«الدنيا بتغيّر الناس يا فندم.»

ضحك بخفة.

«والواضح إنها غيّرتك للأحسن. سمعت إنك رجعتي المدينة وبدأتي شغل جديد. إيه اللي جابك عندي؟»

أخرجت ملفًا رفيعًا من حقيبتها.

«كنت بفكر أستثمر في بعض المشروعات، وحبيت أتعلم من حد عنده خبرة زي حضرتك.»

لمعت عيناه باهتمام.

«فكرة ممتازة. وأبوكِ، الله يرحمه، كان دايمًا بيقول إنك ذكية.»

توقفت ليان عن الحركة للحظة. حتى الآن، كان يستطيع أن ينطق اسم والدها دون أن يتغير صوته. قالت بهدوء:

«حضرتك كنت تعرف بابا كويس؟»

ابتسم فؤاد.

«طبعًا. كنا زملاء في شغل كتير. خسارة كبيرة اللي حصل له.»

راقبته ليان بعناية.

«غريبة إن كل الناس اللي كانت قريبة منه بتقول إنها خسارته، لكن محدش قدر يساعده وقتها.»

اختفت ابتسامته لجزء من الثانية، ثم عادت.

«أحيانًا يا ليان، الحقيقة بتكون أعقد من اللي الناس فاكره. أبوكِ كان راجل محترم، لكن الظروف ساعات بتكون أقوى من أي حد.»

أغلقت ليان الملف.

«يمكن. بس أنا مؤمنة إن كل حقيقة ليها وقت وبتظهر.»

نهض فؤاد، وتوجه نحو النافذة.

«الإيمان بالحقيقة شيء جميل، لكنه ممكن يتعب صاحبه لو فضل يدور وراها طول عمره.»

التفت إليها، وابتسم ابتسامة صغيرة.

«خليكي عملية. الماضي انتهى، وأنتِ لسه قدامك مستقبل.»

وقفت ليان، وحملت حقيبتها.

«أكيد. أنا بس بحب أفهم الماضي قبل ما أقرر مستقبلي.»

صافحته وغادرت. لم تكن قد حصلت على اعتراف، ولم تجد دليلًا جديدًا. لكنها لاحظت شيئًا لم تستطع تجاهله: حين ذكرت اسم والدها، انقبضت أصابع فؤاد حول القلم الذي كان يحمله.

كان خائفًا. وربما أكثر مما توقعت.


في المساء، عادت ليان إلى شقتها، فوجدت ظرفًا أبيض أسفل الباب. لم يكن عليه اسم مرسل، لكن داخل الظرف كانت هناك ورقة واحدة، وصورة قديمة.

الصورة تجمع والدها بيوسف وأسر وفؤاد، وخلفهم رجل خامس لم تره من قبل. على ظهر الصورة كُتبت جملة بخط يد والدها:

«لو حصل لي حاجة، دوروا على الشخص اللي واقف في الضل.»

أخرجت ليان الورقة من الظرف. كانت تحمل عنوانًا ورقم خزانة في محطة القطار القديمة. وقبل أن تتمكن من الاتصال بيوسف، رن هاتفها رقم مجهول.

أجابت بحذر.

«ألو؟»

لم تسمع سوى أنفاس متقطعة، ثم جاءها صوت تعرفه رغم مرور السنوات. صوت جعل قلبها يتوقف للحظة.

«ليان؟»

وضعت يدها على فمها.

«آدم؟»

«اسمعيني كويس. معنديش وقت. متثقيش في يوسف.»

تراجعت خطوة.

«إنت فين؟ أنا لازم أشوفك.»

«هتشوفيني، بس مش دلوقتي. الشخص اللي بتدوري عليه مش فؤاد لوحده، ومش آسر. فيه حد قريب منك جدًا عارف كل حاجة.»

«مين؟ آدم، قول لي مين!»

جاءها صوته متوترًا:

«افتحي الخزانة اللي في المحطة. هتلاقي فيها الدليل اللي بابا خبّاه. ولما تشوفي الاسم، هتفهمي ليه كل ده حصل.»

سمعت صوت باب يُفتح في الجهة الأخرى من المكالمة.

ثم همس آدم:

«هما وصلوا.»

انقطع الاتصال.

ظلت ليان واقفة في منتصف الشقة، والهاتف ملتصق بأذنها. لم تكن تتخيل صوته. لم يكن تسجيلًا قديمًا. لقد تحدث إليها آدم للتو، وكان حيًا. لكن تحذيره من يوسف قلب كل شيء.

إذا كان يوسف يخفي عنها الحقيقة، فمن الذي ساعده طوال السنوات الماضية؟ ولماذا خاطر آدم بالاتصال بها الآن؟

ارتدت معطفها، وأخذت مفاتيح سيارتها، ثم توقفت أمام المرآة. تذكرت كلمات أبيها الأخيرة:

«الحقيقة أهم من إنك تنتقمي.»

للمرة الأولى، بدأت تفهم أن الانتقام ليس أصعب ما ينتظرها.

الأصعب هو أن تعرف الحقيقة، ثم تكتشف أنها لا تستطيع الوثوق بأحد.


كانت محطة القطار القديمة شبه خالية حين وصلت.

وجدت الخزانة في الممر الخلفي، ورقمها مطابق للعنوان المكتوب على الورقة. أدخلت المفتاح الذي وجدته داخل الظرف، وفتحت الباب المعدني. في الداخل، كان هناك صندوق صغير، وذاكرة إلكترونية، وخطاب مغلق يحمل اسمها.

جلست على مقعد قريب، وفتحت الخطاب.

«إلى ابنتي ليان،

إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أستطع أن أحميكِ من الحقيقة.

أعرف أنكِ ستبحثين عن المسؤولين عما حدث، وأعرف أنكِ لن تستسلمي بسهولة. لكن أريدكِ أن تعرفي أن الشخص الذي خانني لم يكن مجرد عدو. كان شخصًا وثقت به، ودافعت عنه، واعتبرته واحدًا من عائلتي.

لا تسمحي للغضب أن يجعلكِ عمياء. افتحي الذاكرة، وشاهدي التسجيل الأخير.

وإذا ظهر لكِ اسم لم تتوقعيه، فلا تتسرعي في الحكم. أحيانًا، أكثر الناس صمتًا هم أكثرهم خوفًا.»

توقفت ليان عند السطر الأخير. أخرجت الذاكرة، وشغّلتها على هاتفها.

ظهر تسجيل مصور لوالدها داخل مكتبه، قبل أيام قليلة من القبض عليه. بدا متعبًا، لكنه كان يتحدث بثبات إلى شخص يقف خارج إطار الكاميرا. قال والدها:

«أنا عارف إنك أنت اللي سربت الملفات. وعارف إنك فاكر إن محدش هيكتشف الحقيقة.»

جاء صوت الرجل الآخر:

«أنت فاهم الموضوع غلط.»

رد والدها:

«لو كنت فاهم غلط، مكنتش جيت هنا النهارده.»

تحركت الكاميرا قليلًا، وظهر جزء من وجه الرجل.

حبست ليان أنفاسها. لم تستطع رؤية ملامحه كاملة، لكن الخاتم الذي يرتديه كان واضحًا. خاتم فضي عليه نقش صغير يشبه جناحًا مكسورًا.

عرفت ذلك الخاتم.

رأته آلاف المرات في يد شخص كان يجلس معها على مائدة العائلة، ويواسيها بعد اختفاء آدم، ويؤكد لها أنه سيظل بجانبها مهما حدث. شخص لم يخطر ببالها يومًا أن تشك فيه.

تجمدت عيناها على الشاشة، ثم أعادت التسجيل.

مرة. مرتين. ثلاثًا.

لم يكن هناك أي شك. الرجل الذي ظهر في التسجيل كان يوسف.

لكن قبل أن تستوعب ما رأته، انطفأت شاشة الهاتف، وسمعت صوت خطوات تقترب من نهاية الممر. رفعت رأسها.

كان آسر الشافعي يقف على بعد أمتار قليلة منها، وخلفه رجلان لا تعرفهما. لم يبدُ عليه الغضب. بل بدا مرتاحًا، كأن وصوله إلى هذه اللحظة كان جزءًا من خطة طويلة. 

قال وهو ينظر إلى الصندوق المفتوح:

«كنت عارف إنك هتوصلي هنا في يوم من الأيام.»

وقفت ليان ببطء، وأخفت الذاكرة داخل حقيبتها.

«إنتوا كنتوا عارفين كل حاجة من الأول؟»

ابتسم آسر.

«مش كل حاجة. لكننا كنا عارفين إن أبوكِ خبّى حاجة قبل ما يموت.»

تقدمت خطوة.

«إنت شهدت ضده، وخليتوه يموت وهو بريء.»

تغير وجهه.

«أبوكِ كان لازم يفهم إن فيه أسرار لو خرجت للنور، ناس كتير هتخسر كل حاجة.»

«ومن ضمنهم إنت؟»

صمت آسر. وكان صمته كافيًا.

ثم قال بصوت أكثر انخفاضًا:

«اسمعيني يا ليان. اللي في إيدك أخطر مما تتخيلي. لو سلّمتيني الذاكرة، ممكن أساعدك تعرفي مكان أخوكي.»

شعرت ببرودة تسري في أطرافها.

«إنت تعرف مكان آدم؟»

«أعرف أكتر مما تتخيلي.»

حدقت فيه، تبحث عن أي علامة تدل على الكذب. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، وأجابت:

«يبقى أنت محتاجني أكتر ما أنا محتاجاك.»

استدارت ومشت نحو المخرج، وقلبها يدق بعنف. لم يمنعها مراد، لكنه لم يحاول إخفاء ابتسامته أيضًا. وعندما وصلت إلى سيارتها، وجدت رسالة جديدة على هاتفها.

كانت من رقم يوسف.

«أنا عارف إنك شفتي التسجيل. لازم نتكلم قبل ما ترتكبي أكبر غلطة في حياتك.»

تأملت الرسالة، ثم رفعت عينيها نحو مبنى المحطة.

للمرة الأولى، لم تعد تعرف من يطارد من. هل كان يوسف خائنًا يحاول إنقاذ نفسه؟ أم رجلًا أخفى الحقيقة لسبب لم تفهمه بعد؟

وهل كان آسر يريد الذاكرة فعلًا، أم يريد أن يقودها إلى شخص آخر؟ 

فتحت ليان حقيبتها، وأخرجت الذاكرة، ثم نظرت إليها طويلًا. لقد بدأت رحلتها لتدمير الرجال الذين سرقوا حياة أبيها.

لكنها الآن تحمل دليلًا قد يهدم كل ما اعتقدت أنها تعرفه.

وفي مكان آخر من المدينة، جلس يوسف أمام مكتبه، يحدق في صورة ليان التي التُقطت لها داخل المحطة قبل دقائق.

رن هاتفه. أجاب دون أن ينظر إلى الشاشة.

«هي شافت التسجيل.»

جاءه صوت الرجل في الطرف الآخر باردًا:

«إذًا لم يعد أمامنا خيار.»

أغمض يوسف عينيه.

«أنت وعدتني إن محدش هيتأذى.»

ضحك الرجل بخفة.

«أنا وعدتك إنك هتخرج من الموضوع سليم. أما الباقي، فمش مشكلتي.»

انتهت المكالمة.

ظل يوسف جالسًا في الظلام، ثم فتح درج مكتبه وأخرج صورة قديمة لآدم وليان ووالدهما. مرر إصبعه فوق وجه الرجل الذي يقف بجوارهم، وهمس:

«سامحيني يا ليان.»

ثم مزق الصورة إلى نصفين. وفي اللحظة نفسها، وصلت إلى هاتف ليان رسالة أخيرة، تحمل صورة جديدة لآدم، وتحتها أربع كلمات فقط:

«اختاري مين فيهم هتنقذيه.»

رفعت ليان رأسها، وعيناها تمتلئان بقرار لم يعد فيه مجال للتراجع. لم تكن المعركة قد بدأت حقًا.

لكن الفصل الأصعب منها أصبح واضحًا الآن: عليها أن تعرف من خان أباها، ومن يحاول حمايتها، قبل أن تخسر الشخص الوحيد المتبقي من عائلتها.

ولأول مرة منذ أربع سنوات، لم يكن الانتقام هو ما تخشاه.

بل أن تصل إلى الحقيقة بعد فوات الأوان.

تابع جديد Yomna Sabry

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق