In this article
الفصل الاول

البدايه
لم تكن ياسمين تؤمن أن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا في اللحظة الخطأ تمامًا، ثم نكتشف بعد سنوات أنهم كانوا أهم شخصيات الحكاية كلها.
كانت ترى أن الناس مجرد عابرين.
شخص نراه في الجامعة، نضحك معه يومين، نتشاجر مع آخر، ننسى ثالثاً بعد انتهاء الامتحان، وتنتهي الحكاية.
ولم تكن تعرف أن هناك أشخاصًا لا يعبرون حياتنا…
بل يتركون فيها أثرًا لا تستطيع السنوات محوه.
كانت الساعة تقترب من التاسعة صباحًا، والجامعة تعج بالطلاب الذين يتحركون في كل اتجاه، بعضهم يراجع محاضراته، وبعضهم يحمل كوب القهوة كأنه يحمل آخر أمل له في الحياة.
أما ياسمين، فكانت تجلس على أحد المقاعد أمام مبنى الكلية، واضعة كتابها فوق ركبتيها، تحدق في الصفحة نفسها منذ عشر دقائق دون أن تحفظ منها كلمة واحدة.
رفعت عينيها عن الكتاب بضيق.
“أنا أكيد هسقط.”
جاءها صوت صديقتها من بجوارها:
“بطلي دراما يا ياسمين، إنتِ من الصبح بتقولي كده.”
التفتت إليها ياسمين.
“عشان أنا مش فاهمة حاجة!”
ضحكت صديقتها.
“إنتِ طول السنة بتقولي مش فاهمة، وفي الآخر بتطلعي من الأوائل.”
“دي كانت صدفة.”
“صدفة بتتكرر كل سنة؟”
وقبل أن تجيب ياسمين، خرج مجموعة من الطلاب من باب المبنى، فارتفعت أصواتهم فجأة.
كان أحدهم يتحدث بحماس عن سؤال جاء في الامتحان السابق.
لم تهتم ياسمين.
أغلقت كتابها، ووقفت لتدخل القاعة.
كانت متوترة.
ليس بسبب الامتحان فقط، بل بسبب تلك المرحلة كلها.
السنة الثالثة.
المرحلة التي ظلوا يخيفونهم منها منذ أول يوم دخلوا فيه كلية الطب.
“استنوا السنة التالتة.”
“استنوا الرمد.”
“استنوا الباطنة.”
“استنوا الجراحة.”
حتى أصبحت السنة الثالثة بالنسبة لياسمين أشبه بمخلوق أسطوري سيخرج من تحت السرير ليأكلها.
تنهدت وهي تدخل القاعة.
وبينما كانت تحاول أن تجد مكانًا مناسبًا، اصطدمت بشخص يحمل مجموعة من الأوراق.
سقطت الأوراق على الأرض.
“آسفة!”
انحنت بسرعة تجمعها.
لكن صوتًا رجوليًا باردًا سبق يدها:
“خلي بالك.”
رفعت رأسها.
كان شابًا يقف أمامها، طويل القامة، يرتدي بالطو أبيض، ويحمل ملفًا أسود في يده.
لم يكن طالبًا.
على الأقل هذا ما استنتجته من شكله.
نظر إلى الأوراق التي في يدها، ثم قال:
“دي أوراق مهمة.”
نظرت إلى الورقة في يدها، ثم إليه.
“ما أنا قولتلك آسفة.”
مد يده يأخذها.
“تمام.”
ثم تحرك.
رفعت حاجبها.
“هو إيه ده؟”
توقف والتفت إليها.
“إيه؟”
“ولا حاجة.”
“يبقى كويس.”
ثم أكمل طريقه.
نظرت ياسمين إلى ظهره بضيق.
“مستفز.”
ضحكت صديقتها:
“إنتِ اتخانقتي معاه في أول عشر ثواني.”
“هو اللي بدأ.”
“هو حتى ما قالش حاجة.”
“طريقة كلامه قالت.”
ابتسمت صديقتها.
“واضح إننا هنستمتع بالسنة دي.”
رمقتها ياسمين بنظرة قاتلة.
“أنا مش ناقصة.”
ولم تكن تعرف أن ذلك الرجل تحديدًا سيصبح أكثر شخص ستشعر معه أنها ناقصة…
وأكثر شخص ستتمنى يومًا لو لم تقابله.
---
بعد انتهاء الامتحان، خرجت ياسمين من القاعة وهي تشعر أن عقلها أصبح قطعة إسفنج جافة.
وقفت في الممر تحاول استعادة أنفاسها.
“الحمد لله خلصنا.”
ثم سمعت صوتًا خلفها:
“خلصتوا إيه؟”
استدارت.
هو.
نفس الشخص.
نظر إليها لثوانٍ ثم مر بجانبها.
قالت دون أن تفكر:
“هو إنت بتطلعلي في كل حتة؟”
توقف.
التفت إليها ببطء.
“أنا؟”
“أيوه.”
“دي كلية مش بيتي.”
“يعني؟”
“يعني طبيعي نتقابل.”
“يا سلام.”
ابتسم ابتسامة صغيرة مستفزة.
“واضح إن وجودي مضايقك.”
“بالعكس.”
“حلو.”
ثم اقترب خطوة وقال بهدوء:
“يبقى اتعودي.”
حدقت فيه.
“على إيه؟”
“على إنك تشوفيني كتير.”
وقبل أن تسأله لماذا، ابتعد.
وقفت مكانها للحظات.
صديقتها كانت تنظر إليها بفم مفتوح.
“إيه؟”
قالت ياسمين.
“ده كان مين؟”
“معرفش.”
“طب ليه بيتكلم معاكي كده؟”
“معرفش.”
“هو دكتور؟”
“معرفش.”
ثم نظرت ياسمين إلى المكان الذي اختفى فيه.
“بس مستفز.”
---
بعد أسبوع تقريبًا، كانت نتائج الامتحانات قد ظهرت.
وقفت ياسمين أمام شاشة الكمبيوتر في منزلها، تحرك إصبعها على الشاشة حتى وصلت إلى اسمها.
توقفت.
اتسعت عيناها.
“يا نهار أبيض!”
جاء صوت والدها من غرفة الجلوس:
“في إيه يا ياسمين؟”
صرخت:
“نجحت!”
ضحك والدها.
“الحمد لله.”
ثم دخلت والدتها مسرعة.
“نجحتي؟”
احتضنتها ياسمين.
“أيوه!”
“قلتلك هتنجحي.”
“أنا كنت متأكدة.”
ضحكت والدتها.
“من شوية كنتِ بتقولي هتسقطي.”
“دي كانت خطة نفسية.”
“خطة إيه؟”
“ولا حاجة.”
وفي تلك الليلة، نامت ياسمين وهي تشعر أن أصعب شيء انتهى.
لم تكن تعرف أن امتحانات الترم الأول لم تكن إلا مقدمة صغيرة جدًا.
لأن الترم الثاني كان يخفي لها شيئًا آخر.
مادة جديدة.
دكتور جديد.
ورجلًا اسمه محمد.
---
بدأ الترم الثاني.
وفي أول أسبوع، دخلت ياسمين الراوند وهي تحمل كشكولها، وتحاول أن تبدو هادئة رغم أنها من الداخل كانت تردد:
يا رب الدكتور يطلع حنين.
كان عدد الطلاب قليلًا نسبيًا.
وقفوا جميعًا أمام باب القسم ينتظرون الدكتور.
ثم ظهر.
بالطو أبيض.
ملف في يده.
خطوات هادئة.
ونظرة تعرفها جيدًا.
تجمدت ياسمين في مكانها.
مستحيل.
اقترب الرجل منهم.
نظر إلى المجموعة كلها، ثم وقعت عيناه عليها.
ثانية واحدة.
ثم قال:
“صباح الخير.”
رد الطلاب:
“صباح النور يا دكتور.”
أما ياسمين فظلت صامتة.
ابتسم ابتسامة بالكاد ظهرت.
“إنتِ.”
أشارت لنفسها.
“أنا؟”
“أيوه.”
“في إيه؟”
قال وهو يفتح الملف:
“إنتِ اللي خبطتي فيا قبل كده.”
اتسعت عيناها.
“حضرتك فاكر؟”
“للأسف.”
ضحك بعض الطلاب.
احمر وجهها.
“أنا اعتذرت وقتها.”
“وأنا قبلت الاعتذار.”
ثم رفع عينيه إليها.
“بس واضح إننا هنبدأ من جديد.”
سألته بحذر:
“يعني إيه؟”
أجاب بكل هدوء:
“يعني من النهارده أنا دكتورك.”
صمت لحظة.
ثم أضاف:
“وأنا مش بحب الطالب اللي بيتخانق معايا.”
نظرت إليه ياسمين بعناد.
“وأنا مش بحب الدكتور اللي بيرخم عليا.”
رفع حاجبه.
ساد الصمت.
ثم ابتسم.
“ممتاز.”
قال أحد الطلاب بخوف:
“ممتاز إزاي يا دكتور؟”
أغلق محمد الملف.
“واضح إن الترم ده هيكون ممتع.”
نظرت ياسمين إليه بضيق.
أما هو…
فلم يعرف لماذا شعر لأول مرة منذ وقت طويل أن شيئًا ما في حياته قد بدأ يتحرك.
ولم تكن ياسمين تعرف أن ذلك الرجل الذي قررت منذ اللحظة الأولى أنها لا تطيقه…
سيكون الرجل الذي ستتزوج منه.
وأن الزواج منه لن يكون بداية قصة حب كما تتخيل الفتيات…
بل بداية حرب طويلة بين قلبين.
حرب ستدفع ثمنها ياسمين وحدها في البداية.
لكن قبل أن يحدث كل ذلك…
كان هناك يوم آخر.
يوم رأى فيه محمد ياسمين لأول مرة بطريقة مختلفة.
اليوم الذي مات فيه شخص أمام عينيها…
وهي الوحيدة التي مدت يدها لإنقاذه.
وكان ذلك اليوم هو اللحظة التي بدأ فيها قلب محمد يرتكب أول أخطائه.
أو ربما…
أول صواب له.
Keep up with Ayla
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment