في هذا المقال
الغرفة التي ابتلعت الحقيقة
الجزء الأول:
ثلاث طرقات في منتصف الليل
(قصة غموض وأسرار عائلية وتشويق نفسي)
لم تكن ليان تخاف من البيوت القديمة، لكنها لم تستطع الشعور بالراحة في بيت جدتها منذ اللحظة التي دخلته فيها.
كان البيت يقع في نهاية شارع هادئ، تحيط به أشجار الياسمين، وتغطي نوافذه طبقة رقيقة من الغبار. بدأ كل شيء فيه وكأنه ينتظر عودة أشخاص غادروا منذ زمن، لكن أحدًا لم يخبره أنهم لن يعودوا.

الوصول إلى بيت الجدة
وصلت ليان مع أمها هناء بعد وفاة جدتها سلمى بأسبوعين، لترتيب أغراض البيت قبل اتخاذ قرار بشأنه.
كانت أمها تتنقل بين الغرف بصمت، تفتح الأدراج وتغلقها، وتضع الصور القديمة في صناديق كرتونية. أما ليان، فكانت تتأمل التفاصيل التي لم تنتبه إليها في زياراتها السابقة.
الساعة المتوقفة عند 11:17
في غرفة الجلوس، لفتت انتباهها ساعة حائط كبيرة بإطار خشبي داكن. اقتربت منها، ولاحظت أن عقاربها متوقفة عند الحادية عشرة وسبع عشرة دقيقة.

— ماما، ليش هاي الساعة واقفة؟
توقفت هناء عن ترتيب الصور، ونظرت إلى الساعة.
— من زمان وهي هيك.
— طيب، ليش ما صلحتوها؟
أعادت هناء الصورة التي في يدها إلى الصندوق.
— مش كل إشي قديم لازم نصلحه يا ليان.
لم تفهم ليان جوابها، لكنها لاحظت أن أمها غيّرت الموضوع بسرعة، وكأن سؤالًا بسيطًا أعاد إليها ذكرى لا تريد الاقتراب منها.
السر خلف خزانة الكتب
في المساء، جلست ليان قرب خزانة الكتب الكبيرة المثبتة بمحاذاة الجدار. كانت الخزانة ممتلئة بكتب قديمة، وبعضها مغطى بطبقة سميكة من الغبار.

وحين مدت يدها لتسحب كتابًا من الرف السفلي، لاحظت أن الخزانة لا تلامس الجدار تمامًا. كان هناك فراغ ضيق بالكاد يُرى.
انحنت وحاولت النظر خلفها، لكنها لم تستطع رؤية شيء.
مررت يدها على الحافة الخشبية، ثم تراجعت.
لا شيء غير عادي، هكذا أقنعت نفسها.
لكنها، قبل أن تغادر المكتبة، نظرت إلى الفراغ مرة أخرى.
لم تعرف لماذا شعرت أن هناك شيئًا لا ينبغي أن يكون مخفيًا.
ثلاث طرقات في منتصف الليل
عند منتصف الليل تقريبًا، استيقظت على صوت غريب.
(ثلاث طرقات)
جاء الصوت من جهة المكتبة.
جلست على سريرها وأصغت. انتظرت قليلًا، وهي تحاول تحديد مصدر الصوت.
ثم تكرر.
ثلاث طرقات أخرى، متباعدة ومنتظمة.
خرجت من غرفتها بحذر، واتجهت نحو المكتبة. كان الممر مظلمًا، والهواء باردًا على غير العادة. وحين وصلت إلى خزانة الكتب، وضعت يدها على الخشب وانتظرت.
لم يحدث شيء.
اقتربت أكثر، فلاحظت بقعة رطوبة صغيرة على الجدار قرب أسفل الخزانة. لم تكن كبيرة، لكنها بدت حديثة، كأن الماء تسرب من مكان ما خلف الجدار.
لمستها بأطراف أصابعها، ثم سحبت يدها.
كان الجدار باردًا.
عادت إلى غرفتها وهي تحاول إقناع نفسها بأن الصوت ربما جاء من أنابيب المياه القديمة. ومع ذلك، لم تستطع النوم بسهولة.
الرسالة المخفية خلف الصورة
في صباح اليوم التالي، بينما كانت ترفع صورة عائلية عن الطاولة لتنظيفها، سقطت من خلف إطارها ورقة مطوية بعناية.
توقفت ليان عن الحركة.
لم تكن الورقة موجودة في مكان ظاهر، ولم تلاحظها حين نظفت الطاولة في الليلة السابقة.
فتحتها بحذر.
كان الخط باهتًا، لكنه واضح:
«إذا أردتِ معرفة ما حدث ليوسف، فلا تبحثي عن الباب. ابحثي عن المكان الذي لا ينظر إليه أحد».
قرأت الاسم مرتين.
يوسف.

الاسم الذي لم تتحدث عنه العائلة
لم تكن تعرف عنه سوى أنه أخو أمها، وأن العائلة لا تتحدث عنه أبدًا. كانت قد سألت عنه وهي صغيرة، فقيل لها إنه يعيش بعيدًا، ثم توقفت الإجابات تمامًا.
لماذا كتبت جدتها هذه الرسالة؟ ولماذا أخفتها خلف صورة عائلية؟ والأهم من ذلك، ماذا حدث ليوسف حتى صار اسمه من الأسرار التي لا يقترب منها أحد؟
رفعت ليان رأسها ونظرت نحو المكتبة.
كانت خزانة الكتب تقف في مكانها، ساكنة كأي قطعة أثاث قديمة.
لكن هذه المرة، لم تستطع تجاهل الفراغ الضيق بينها وبين الجدار.
طوت الورقة وأخفتها في جيبها.
ثم سمعت صوت أمها يناديها من الغرفة المجاورة.
— ليان، لقيتي الصورة اللي كانت على الطاولة؟
التفتت نحو الباب، ثم نظرت إلى الورقة داخل جيبها.
— آه، لقيتها.
لم تخبرها عن الرسالة.
ولم تكن تعرف لماذا قررت الاحتفاظ بها سرًا، لكنها شعرت أن إخبار أمها الآن قد ينهي البحث قبل أن يبدأ.
عادت بنظرها إلى خزانة الكتب.
للمرة الأولى، لم تعد تتساءل عما تخفيه خلفها فحسب، بل عمّن قضى سنوات طويلة يتأكد من أن لا أحد ينظر.
بداية البحث عن الحقيقة
تابع جديد Tala Saadah
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق